الشهيدة آمنة الصدر الدور

الشهيدة آمنة الصدر الدور

الفاعلية . الجهاد

.

 - معرفتي بالشهيدة السعيدة آمنة الصدر تعود إلى ذلك اليوم الذي زار فيه منزلنا كما العادة..أحد علمائنا الأجلاء،وكان مقيماً وقادماً من النجف الأشرف . يومها تناولت من يده الكريمة وبأعتزاز لما خصني به في ذاك الزمن المبكّر.

.ما لم يكن كتاباً،وإنما كان عدداً من-مجلة الأضواء- التي تصدر هناك..كنت مأخوذة فرحة بأخبار وأجواء النجف ولذا سريعاً رحت اقلّب الأوراق متصفحة العناوين وأسماء الكتّاب وإذ بنظري يقع على صفحة تصدرتها كلمات–بقلم بنت الهدى- عبارة صغيرة،لكنها يومذاك كانت بالنسبة لي مدوّية .. وعليه فإن السؤال بات ما ينفك يسبقني مع لقاء أي من القادمين والقادمات من تلك الديار ..

كنت دائمة البحث عما يشبع فضولي من تفاصيل..أريد أن أعرف أكثر عن صاحبة هذه الشخصية النسائية الإسلامية الفذّة التي إقتحمت بقلمها وحضورها المتميز أجواء النجف وساحة الفعل والعمل والحركة والنشاط..كاسرة ذاك الطوق التاريخي الذي استحكم وطال ... وإنه مع توفر الفرصة.

.صممنا عائلياًعلى زيارة المراقد المقدسة رغم الحذر الشديد حينها لجهة حالة الغليان التي كانت تسود العراق .. فشقيقتي–ام زهراء–التي ذهبت قبل سبعة اشهر باتت وزميلتها الشهيدة–ام ياسر-على تواصل مع تلك العالمة الفاضلة..وعليه فإن زيارة منزل المرجع الديني الكبير السيد محمد باقر الصدر كانت ميسرة رغم ان رجال المخابرات الشرسين كانوا يتابعون الزائرين بشكل وقح منذ دخولهم الزقاق المؤدي إلى ذاك الدار الكريم-كما رأينا..- - المهم إن السيدة الصدر كانت حينها في الكاظمية لمتابعة الوضع الصحي لوالدتها..

ولذا قررنا في اليوم التالي الذهاب إلى حيث هي...فاستقبلنا بحرارة وحفاوة بالغة..وبعد السؤال عن اوضاع لبنان الذي زارته وأحبته..وأوضاع مجتمعنا النسائي الذي شاهدت تأثره الكبير بموجة التغريب..انتقلنا إلى الأجواء الثقافية والتفاعل الكبير الذي أحرزته كتب فلسفتنا واقتصادنا والمدرسة الإسلامية بين عناصر الشباب وطلاب الجامعات ..

وكان ان غصنا في جلسة غامرة ومؤثرة بحيث لم ننفك نحن عن السؤال..ولم تتعب هي من الإجابة بتفصيل..فمضى الحديث الذي جرى قبل إستشهادها بعام هادئاً متشعباً مثقلاً بألوان جاذبة من الود والثقة..وحيث عرجنا خلاله على مراحل حياتها وسنيّها الأولى وكيف بدأت بتلقي مباديء القراءة والكتابة داخل البيت باكراً إذ لم تذهب لمدرسة رسمية أو كتّاب وإنما فقط كانت تنهل برفق وتمهّل وبخطوات محسوبة بين يدي أخويها-السيد محمد باقر والسيد اسماعيل-مركزة على الرعاية الفائقة والإهتمام البالغ من جانبهما بعملية تعليمها..إذ كانا مع الدأب على مباديء القراءة والكتابة يغدقان عليها الكثير من العطف ويحيطانها بألوان من الإهتمام فمن جهة يحملان لها الدفاتر والأقلام الملونة.

ومن جهة ثانية يأتيانها بالهدايا والحلوى.أو يبادرانها بالحوار والسؤال..إضافة إلى الحث على المثابرة والمكافئة على الجد والتحصيل..مبينة أهمية ما حظيت به من جانب السيد محمد باقر تحديداً والذي كان له دور فعال في حياتها خصوصاً بعد انتقال العائلة من الكاظمية إلى النجف الأشرف .. ومن سنة إلى سنة راحت الطالبة المجدّة تتقدم سريعاً بإتجاه علوم الحساب والنحو وعلوم القرآن والفقه والأصول وباقي المعارف الإسلامية بحيث درست بشغف ودأب،إذ كانت كما هو ملحوظ بشخصيتها تتمتع بذكاء متوقد وسرعة حافظة وقابلية وولع كبير بالمطالعة بحيث لم تقتصر-كما قالت-على الكتب الإسلامية وإنما تناولت كتباً مختلفة علمية وفلسفية وقصصية بل كانت تقرأ كل ما يصل إلى يدها ..

المهم إنه مع نضوج شخصية المجاهدة الشابة علمياً ودينياً نهضت وبدعم وتشجيع مباشر من الأخ المجاهد-كما روت-عاملة على ممارسة التأثير الإجتماعي من خلال التوعية والتثقيف للعناصر النسائية.فكان إن لعبت على صعيد التبليغ دوراً فعالاً كان له تأثيره الكبير في هداية الفتيات ورجوعهن إلى التمسك بتعاليم الدين الحنيف..بحيث بدأت تعقد جلسات دورية في بيتها أو في بيوت بعض الأخوات الواعيات ممن التففن حولها..وحيث إستطاعت بهذا أن تربي وتوجه عدداً كبيراً..من تلكم النساء مضافاً إليه دورها كمشرفة تربوية على مدارس الزهراء للبنات في الكاظمية.ومركز التعليم الديني للبنات في النجف الأشرف.

.فكانت تأتي ثلاثة أيام في الإسبوع إلى الكاظمية فيما تقضي الأيام الأخرى في النجف.عاملة بكل ما أوتيت من قوة من خلال تدرج العديد من الطالبات والمعلمات بين يديها..على مواجهة الثقافات المادية التي كانت تنخر في جسد الأمة .

- اما في المرحلة التالية فقد روت السيدة الصدر أن شقيقها العلامة المجاهد فاجأها ذات يوم بطلب كتابة مقالة لمجلة الأضواء التي تقرر أن يصدر العدد الأول منها..فدهشت كونها لم تكن مستعدة بعد..لكن مع إصرار السيد كانت الإجابة وتمّ التحضير..غير إن المقالة أعيدت بعد أن جوبهت بإعتراض شديد من أعضاء الهيئة العلمية المشرفة على المجلة..وحيث جاء الإعتراض على اصل نشر مقالة لفتاة من على ذاك المنبر المتميز بنتاجات جمع من اقلام العلماء..لا سيما إن المقالة تحمل الأسم الكامل والصريح لعائلة عريقة ... وكان أن بقي السيد الشهيد لعدة أسابيع يعاني من تحجر البعض..لكنه بقي مصراً على ضرورة افساح المجال للكلمة النسائية إلى أن ربح الجولة..لكن بعد ان اختار –كما قالت-اسم-بنت الهدى-بدل آمنة الصدر كحل وسطي ...

وهكذا بدأت بتوظف قدراتها الأدبية في سبيل غرس القيم والمباديء..حاملة الكلمة الحارة المعبرة إلى كل فتاة مسلمة..لذا لم تقتصر في عملها على ما تقدم..وإنما تعدته إلى مجال أوسع وهو كتابة القصة الإسلامية الهادفة والتي تستطيع من خلالها ان توصل صوتها إلى الجيل الناشيء وإلى أكبر عدد من النساء بأسلوب مبسط محبب جاعلة من القصة والحوار والبحث الفكري أسلوباً من أساليب الدعوة إلى الله ...

أما المرحلة الأخيرة -فيما علمناه-من حياة المجاهدة الكبيرة التي لم تكتف بكل ما سبق..وإنما أكملت الشوط بإتجاه الساحة الجهادية..ساحة التحدي ومقارعة الطغاة ذلك أنها واكبت باكراً تفاصيل الظروف السياسية والأمنية السائدة وعاشتها عن قرب فكانت مهيأة وحاضرة لأي موقف أو مواجهة ..

لذا مع إقتحام الأمن للدار الكريمة وتعرض أخيها آية الله السيد محمد باقر للإعتقال..يومها خرجت وتحدثت في الجموع منددة بجلاوزة السلطة وما يفعلونه صارخة ومرحبة بالموت إذا كان في سبيل الله..وبعد لحظات نظمت تظاهرة حاشدة إنطلقت من الحرم المطهر..ساهمت فيها النساء مع الرجال وأدت إلى أجبار السلطة بعد ساعات قليلة للإفراج عن السيد الشهيد..

وإنه مع تفاقم الأحداث في تلك الأيام العصيبة التي كانت تلف العراق..عادت السلطة إلى إعتقال السيد الصدر وذلك في 5 نيسان1980م وكان أن نهضت المجاهدة مع تحسسها لخطورة المرحلة ومضت إلى مرقد جدها أمير المؤمنين(ع)وهناك نادت في الجموع بأعلى صوتها الله اكبر.الله اكبر.الله اكبر..الظليمة الظليمة أيها الناس لقد اعتقل مرجعكم..وكان أن انتفضت النجف في ذاك اليوم بما ارعب النظام..ثم كان أن اعتقلت صاحبة الموقف البطولي بعد يوم واحد من اعتقال أخيها ونقلت فوراً إلى بغداد تحت حراسة مشددة وبعد ثلاثة أيام تم تنفيذ حكم الإعدام بالشهيد الصدر.وبالبطلة المجاهدة آمنة الصدر..

- المهم إن تضحيات وجهود شهيدتنا الكبيرة أثمرت بفضل الله تعالى نتاجاً طيباً مباركاً يؤتي أكله اليوم في العراق وفي عدد من بلدان العالم تلميذات ونهج..وإنه ليكفي المجاهدة والبطلة التي نذرت حياتها كلها لله تعالى...أنها قالت كلمتها الجريئة في مواجهة طاغية عصرها..وجاهدت أفضل الجهاد الذي هو (كلمة حق عند سلطان جائر)ثم كان ان قدمت روحها الطاهرة رخيصة إلى بارئها عز وجل ومضت تحلّق مع مراتب الشهادة والفوز العظيم ... خلاصة البحث : بأستقراء تاريخنا المنظور وبالعودة إلى المواقف الجهادية التي سطرتها المرأة المسلمة على إمتداد المسافة بين عصر الإسلام الأول وعصرنا..لا يملك أي متأمل أو باحث إلا أن يثمّن وبإعتزاز وفخار الدور النسائي المتميز الذي جادت به أجواء النجف فنهوض السيدة الصدر..الذي توّج بأعظم الجهاد إضافة إلى إنه شكل. إنعطافة اساسية ًفي مسار الحركة النسائية في المنطقة

،فقد تجلت فيه خصوصيات ثلاث خلعت عليه بعداً وشمولية وأكسبته صفة الفرادة وهذه الخصوصيات هي:

- خصوصية الموقع وخصوصية المكان - وخصوصية الزمان

1- خصوصية الموقع الذي انطلقت منه:بحيث تترأى لنا من جهة أجواء العائلة الكريمة والحياة العلمية والمناخ الأسري العريق المثقل بالتربية الإسلامية الأصيلة..ومن جهة أخرى نجد رجحان كفة التشدد في طبيعة الأجواء بحيث أن أي حركة بخلاف النمط السائد في أعراف النجف مسألة غير سهلة من هنا فإن خروج المجاهدة عن هذا وكسرها لأعتبارات عديدة ساهم مساهمة كبرى وإلى حد بعيد بالكشف عن معالم الرؤية الإسلامية السليمة تجاه المرأة في صورتها النظرية والعملية..ولو إن هذا النموذج خرج من غير هذا الموقع لما كان له هذه الآثار والصدى الكبير ..

2-خصوصية المكان:وهنا تترأى لنا ساحة النشاط،وبالتحديد مدينتي النجف الأشرف والكاظمية..محيط ذي خاصية علمية فرض الحرص والحذر عليه أن يضرب سياجاً احترازياً وأمنياً رادعاً،غير إن هذا المناخ المعافى لم يوفق القيمون فيه من امتلاك الحافذ الذي يدفع نحو التشدد إيجابياً لإرساء قواعد البناء العائلي المتكامل وحيث الوعي والعلم مع الضوابط الشرعية يحوّل الأسر قلاعاً في مواجهة الشدائد والمحن،بل نرى التشدد فيه-حينها..-يتجه سلباً ليكون دور المرأة وشخصها مع المأزق..هما الضحية..ومن هنا كان خروج المرأة ولو لطلب العلم محل إلتفات من قبل الآخرين فكيف بالجهاد والنشاط والعمل الإجتماعي والتبليغي..ثم كيف إذا كان هذا النشاط في ظل الإرهاب الذي يمارس البطش والتنكيل والإعتقال والقتل ..

- شقيقة المرجع الكبير السيد محمد باقر الصدر في ظل هذا كله خرجت من جهة لتتحدى النظام القائم بما يمثله من ظلم بكل جرأة.ومن جهة ثانية لتتحدى التقاليد المتحجرة الغير إسلامية الموجودة في بيوت المسلمين..وحيث خرجت توزع نشاطها إسبوعياً بين النجف والكاظمية.وهي أبنة العائلة العريقة المحافظة بحيث تستقل سيارة الأجرة متنقلة من محطة إلى محطة ومن مدينة إلى أخرى عبر حركة لم تكن مألوفة.بل كان في العرف العام من حولها يعدّ هذا الفعل شيئاً منافياً للتقاليد المحافظة

. ومن هنا القول بإن هذا النهوض المتميز شكل محطة..إذ من بعد تلك العصور التي تفيأت ظلال المعصومين حتى أيامنا هذه قد نجد من بزلت جهداً عظيماً أو كان لها موقفاً ريادياً أو نشاطاً مميزاً في علم أو عمل..لكن من الصعب ان نجد من جمعت بين العلم والعمل والجهاد والشهادة..بحيث نراها تتحرك في عمق المكان الزاخر.مؤيدة بمؤازرة وتشجيع الأخ الجليل الذي عبر نهجه ومدرسته تمكنت من إختصار هموم وفواصل الزمان والمكان فكان أن حملت القبس وعملت على إعادة ربطه بسلكه المضيء ..

3-خصوصية الزمان:وهنا نجد ان الدور الإستثنائي الذي نهضت به العالمة الفاضلة،تكامل عملياً مع النهج النهضوي لدى اخيها آية الله السيد محمد باقر الصدر.وأهميته تكمن في تماسك الحلقات على مستوى التطبيق..إذ ما الفائدة العملية-كما يقول الشهيد مطهري في كتابه احياء الفكر الديني-التي ستنجم عن تأكيد إن الإسلام صالح لكل زمان ومكان وإن فوائده ومزاياه ليس لها مثيل عن طريق القلم والخطابة؟إن حاجة العصر تتطلب إبراز هذه المزايا بصورة عملية في عالم الواقع.. وإنه هنا تكمن عظمة الدور الذي أدته بنت الهدى..وعظمة النهج والمدرسة التي ارساها الشهيد الصدر(رض)بعد تلك الحقبة المضنية التي منيت بها الأمة والتي تمّت خلالها تراجعات حادة عن النهج القويم.. وإنه في هذا الزمن الصعب الذي تم فيه مسخ المجتمعات وسحق الهوية.. كان النهوض المدروس والتكامل المحسوب في أسرة الصدر وفي قلب النجف،فكان دور الزينبي للشهيدة السعيدة بنت الهدى بمثابة إشراقة..لذا سرعان ماعمل على اخمادها..عبر إقدام السلطة الجائرة على اعتقال وقتل هذه البطلة..والإصرار على عدم بقائها حيّة بعد أخيها الصدر(رض) .

                                                                                                                                                                                                                                                             عفاف الحكيم 9/2/2010

عن النبي صلى الله عليه وآله: ’التوبة حسنة لكنه في الشباب أحسن’
عن الإمام علي(ع) ’أولى الأشياء أن يتعلمها الأحداث، الأشياء التي إذا صاروا رجالاً احتاجوا إليها’
’لئن يؤدّب الرجل ولده خير له من أن يتصدَّق كلّ يوم بنصف صاع’ الرسول الأكرم(ص)

من نحن

موقع ديني ثقافي وفكري يعنى بقضايا المرأة والاسرة والمجتمع

تواصل معنا

يسرّنا تواصلكم معنا عبر الايميل alzaakiyaa@gmail.com