نظرة في حياة المرأة المسلمة والمرأة اليهودية

نظرة في حياة المرأة المسلمة والمرأة اليهودية

دور المرأة والفتاة في المجتمع

 

الحاجة عفاف الحكيم

إن اختياري لهذا الموضوع نابع من عاملين:

أولا: مرارة الواقع الاجتماعي الذي نعيشه، والتكاسل المؤسف الذي تقابل به التحديات الجسام من قبل عدونا الجاثم على أرضنا، إلى جانب حالة الانفصام التي تتفاقم في سلوك الأكثرية الساحقة من الفتيات. نتكلم عن دور المرأة والفتاة في المجتمع..

نتحسر، نتمنى، ثم نطوي الأيام بين عبث ولهو، وما الأيام والأوقات إلا أعمار وأنفس فكيف ندفع بها إلى مهاوي الانتحار البطيء.

ثانيا: المرأة اليهودية بالذات تشكل أحد عناصر التحدي الذي نعيشه اليوم ، ولأن قدرة المرأة اليهودية بحكم كونها جزءاً من مجتمع عامل، أصبحت موضع مغالاة وأسطورة في الاعلام اليهودي العالمي الذي تتردد أصداؤه في بعض مجتمعاتنا. فالنجاح الظاهري الذي نلمسه هناك ليس من المقومات الذاتية للمرأة اليهودية، كما أن التخاذل والانحطاط الذي يملأ حياتنا ليس من المقومات الذاتية للمرأة المسلمة.

وإن الدور الفعال الذي ينتظر فتياتنا عندما يتوفر لهن المناخ التربوي السليم وتتاح لهن فرص الالتزام الواعي ومتطلباته، لهو دور أساسي في مواجهتنا الحتمية لعدونا. من هنا كان واجب الالتفات لإدراك الدور الذي قامت به المرأة اليهودية منذ احتلال فلسطين ولا زالت، وبالتالي لإدراك الدور الذي قامت به المرأة اليهودية منذ احتلال فلسطين ولا زالت، وبالتالي إدراك واقعنا ودورنا كمسلمات.

بداية نشاط المرأة اليهودية: حتى مطلع القرن العشرين كانت المرأة اليهودية لا تزال تحيا حياة اجتماعية هامشية، حركتها شبه محدودة ونشاطها معدوم وعملها ينحصر في المجالات التقليدية، على الرغم من وجودها في قلب المجتمعات الأوروبية. لكن بعد مؤتمر"بال" الذي عقد سنة 1897 تم تأسيس المنظمة الصهيونية العالمية، وأٍُعطيت المرأة اليهودية دورا في العمل الرسمي والشعبي لتنشط في تحقيق الهدف الصهيوني المتمثل في احتلال فلسطين واخراج أهلها منها. إذن مع بدء الحركة الاستعمارية اليهودية إلى فلسطين كان اقتحام المرأة اليهودية للعديد من مجالات العمل. وكانت أهم المجالات التي وجهت إليها هي:  الدعاية للهجرة  جمع التبرعات  التربية  المخابرات  التنظيمات النسائية  العمل الزراعي والصناعي 

العمل السياسي نموذج المرأة اليهودية: وهذا الدور الذي أعطى عن تخطيط، كان من البديهي أن ينتج نشاطات هامة، ويوجد نماذج لها فاعليتها في مختلف المجالات، ونعرض منها الآن لنموذج "جولدا مائير" _التي يصفها "كيسنجر" بالعجوز الشمطاء وفي نفس الوقت ينحني ليقبل يدها. بدأت "جولدا مائير"، ابنة الصهيوني المتحمس، حياتها السياسية وهي في الرابعة عشرة من عمرها، وكان ذلك في إحدى الزوايا من مدينة " مليوكركي" الاميركية التي هاجرت إليها من روسيا سنة 1906، حيث مارست دورا مهما في دعم منظمة العمال الصهيونيين. وفي سن الواحدة والعشرين تخرجت من دار المعلمين، وتزوجت شابا يهوديا شاركها العمل في الحركة الصهيونية.

وكانت معه في أول فريق من يهود أميركا يهاجر إلى فلسطين في ذلك الوقت من سنة 1921 وهناك عمل زوجها كمزارع وعملت هي في تربية الدواجن. ثم انتقلت إلى القدس وعملت في أمانة صندوق الهستدروت "الاتحاد اليهودي العام للعمل، ثم ترقت لتصبح أمينة الصندوق، ثم مديرة وعضو لجنة تنفيذية في الهستدروت، ومجلس المرأة العامة وصندوق المرض. وبعد سبع سنوات من ترك جولدا مائير لإميركا عادت إليها بمهمة رسمية لطلب المعونة وجمع المساعدات... ثم تكررت الزيارات لحضور المؤتمرات وجمع السلاح والأموال، وتنظيم هجرة إلى فلسطين. وحين تم للصهيونية العالمية تنفيذ مخططها وقيام ما يسمى بـ "دولة إسرائيل"، عينت في المجلس المؤقت، وكان أول منصب تولته هو وزيرة مفوضة في روسيا، وأثناء وجودها هناك انتخبت لعضوية الكنيست الأول. وفي سنة 1949 أعطيت منصب وزيرة للعمل والتأمين الاجتماعي، فعملت على استيطان المهاجرين الجدد من يهود العالم الذين تدفقوا إلى فلسطين المحتلة، ثم انتقلت إلى وزارة الحارجية... ثم منصب رئيسة وزراء، وكانت الأمينة العامة لحزب الماباي.

كان هذا نموذج عن المرأة اليهودية عندما أعطيت دورا، هذه المرأة التي لم يكن لها أية قيمة معنوية إلى مدة قريبة، حتى إن "هرتزل" نفسه كان يسخر من بداية نشاطها ولا يعلق أي أمل. دور المرأة اليهودية في خدمة الكيان الصهيوني: أما الدور الذي لعبته المرأة العدوة ككل ولا زالت، في إيجاد "دولة إسرائيل" وتنميتها فهو أوسع من أن يسجل في سطور. ذلك أن المنظمات النسائية كان لها الدور الأساسي في تنظيم الحياة اليهودية في فلسطين من جميع نواحيها.

فمثلا، التي تولت تنظيم الهجرة من مصادرها، فنقلت المهاجرين واستقبلتهم في المرافئ، وسهرت عليهم في مخيمات العبور، ومن ثم سهلت نقلهم إلى أماكن سكنهم الثانية في فلسطين. وقبل ذلك كانت تلك المنظمات تقوم بتدريب النساء على العمل الزراعي والحرفي، والعمل في المجالات الثقافية والتعليمية والاجتماعية والدينية إلى جانب تعليمهن اللغة العبرية. وكان من أهم تلك المنظمات، "المنظمة العالمية للمرأة الصهيونية- ويزو" التي تأسست 1920 والتي تهدف إلى تنظيم النساء والفتيات اليهوديات في مختلف أنحاء العالم، وتعبئتهن يهوديا وصهيونيا إلى جانب تدريبهن على العمل المنتج، ويبلغ عدد عضوات هذه المنظمة 230 ألف عضوة في جميع أنحاء العالم. وتشتمل الاتحادات المنبثقة عنها على نشاطات هامة في المجال التعليمي، والتثقيفي وجمع الأموال، وذلك للصرف على شبكة المشاريع الواسعة التي تقيمها في إسرائيل... هذا ما قامت به بعض اليهوديات، إذ من الطبيعي أن ليست كل نساء المجتمع الإسرائيلي تعملن في هذه المجالات! فجموع الفعاليات النسائية في المجتمع الإسرائيلي وفي النشاط الصهيوني العالمي قد لا تبلغ 25% أو 30% من العمل الصهيوني ككل.

الوضع الحالي للمرأة المسلمة: لكن المغالاة في الحديث عن المرأة اليهودية ليست إلا نتيجة للاعلام اليهودي الذي يحرص على أن يحمل من الشعب اليهودي أسطورة، وكذلك من الجندي اليهودي.... ومن التاجر اليهودي، ومن المرأة اليهودية. وهناك سبب آخر في هذه المغالاة، يعود إلى انهزامنا النفسي أمام الدعاية. ترى لو عدنا بعد تلك الالتفاتة نتأمل بين وضع المرأة اليهودية هذا، وبين وضع المرأة العربية المسلمة... فماذا عسانا نرى؟ ماذا عن المجتمع الذي نعيشه، ماذا عن ملء الفراغ بالعبث الفارغ؟ إنه ليعترينا الخجل من التخلف الذي تعانيه المرأة عندنا، كما يعترينا الخجل من الدور الذي نمارسه سواء بسواء.

ههنا تطالعنا فتيات "ريما" و"سمر" و"دليلة"... يقتلن الوقت فيما بينهن، ثم تبقى الأعصاب مشدودة طوال أسبوع بانتظار بقية مسلسل، أو بانتظار آخر أخبار ذلك الفنان أو تلك الفنانة التي تزوجت أو انتحرت... ستطالعنا فتيات " الكنت والملبورو"، فتيات صبحيات القهوة وعصرونيات التسكع على الطرقات، وأمسيات الليالي الآثمة، اللواتي يناضلن ويرفعن أصواتهن في البيوت من أجل تحرر منفلت... أما تحرير العقل، تحرير الذات فليس لهن شأن به.

فتيات وأمهات يجسدن الضياع ويعشن الانفصام في أسوأ صورة... ضاحكات متبرجات، كلهن إذا سبرت أغوارهن فليس سوى الغم والاضطراب... فتيات وأمهات يتبرمن بالحياة وينفرن من التبعات، هروبهن إندفاع ولهفة للشراء والاقتناء وتكديس الأثاث والرياش، ومن ثم المشاركة في السباق الدائم لشراء آخر ما انتجه الغرب من ملابس، والتي هي اليوم هم المرأة الأولى عندنا، والمهم من تلك الملابس "برامجها" فهذا للصباح وهذا للمساء وذلك للظهر، وآخر للنزهات، وغيره للمناسبات، تعقيدات وتوافه يشغلن أنفسهن بها فتصادر أوقاتهن وأموالهن. بالمظاهر يرون كسب الود والاحترام وإحراز الاعجاب...

وللمظاهر كل الجهد والعرق والانتاج. تذهب الفتاة إلى المدرسة وليس همها من المدرسة التعلم ولا التحصيل، بل الوظيفة كوسيلة للبروز وإثبات الذات والوجود،أي وجود؟! يؤثثن البيوت، يدخلن أطفالهن أرقى المدارس، بشاركن في الجمعيات والمؤسسات الخيرية... همهن من كل هذه المظاهر تسليط الأضواء عليهن. من حضارة القرن العشرين لم تأخذ المرأة عندنا سوى إطارها البراق.

قال أحدهم "إذا أردت أن تعرف حضارة أمة، فادرس حياة المرأة فيها"... وهذه أمتنا اليوم كما ترى، وهذه المرأة من هذه الأمة... فهل نحن متحضرون؟هل نحن منسجمون حضاريا؟ إنه انفصام وليس انسجام... إنه تقليد مشوه، لحضارة مشوهة. مقارنة مع دور المرأة المسلمة في تاريخنا العريق: لننظر إلى الدور السابق الذي قامت به المرأة، المرأة المسلمة، يوم كانت حقا منسجمة حضاريا، الدور المشرف عندما وجدت فرص الالتزام الكامل متاحة. وميادين الجهاد مهيأة. يومها فقط انحنى التاريخ ليسجل في صدر صفحاته مهمات عظيمة انتدبت إليها فحملتها وأدتها من موقع المسؤول.

ما قامت به المرأة المسلمة من أدوار في تلك الحقبة نضعه مثالا اليوم لنلاحظ الفرق. نساء عظيمات ظهرن عندما وجدن منطلقا للإرادة الواعية، فجسدن في حياتهن المثل الحي والنموذج الذي نتطلع إليه، نساء ناضلن في سبيل الهدف والمبدأ. فحملن قضايا مجتمعهن وعملن على إحياء موات النفوس فيه، فتجاوزت مآثرهن حدود العمر وعن في كل زمان ومكان. لنتأمل مليا الدور الرائد للعديد من سيدات هذه الأمة. لنتأمل مليا بيت قائد الأمة (ص)، حيث ظهر النموذج الأول عبر الإعداد والتوجيه فكان للزهراء رائع المواقف، وكان دورها على قِصَره بارزا فعّالا في أكثر من مجال، فهي الأم التي ربت، والزوجة التي ساندت، والمعلمة العالمة التي أعطت فأغنت، وجعلت من بيتها أول مدرسة في تاريخ المرأة المسلمة.

ومن بيت سيدة النساء تخرجت الابنة العظيمة زينب التي ارتفعت فوق أحزانها ومصابها، لتحمل مسؤلية البعد الاجتماعي! فتصدت وكان دورها الذي سجله التاريخ في ترسيخ أهداف الثورة الرائدة التي فجرها أخوها الحسين. وفي تاريخ المرأة في بلادنا برزت كثيرات بفضل التفاعل الفكري والاجتماعي الذي عشنه ومارسنه بفضل الالتزام التام... ومذاك قرن القول بالفعل فكانت نتائج... لنلاحظ دور المرأة المسلمة في تاريخنا العريق، ودورها الآن في القرن العشرين ونتأمل الآن الفرق بين الالتزام الواعي والالتزام الواهي، بين تلك التي كانت مصدر قوة لمجتمعها، وبين تلك التي أصبحت مصدر ضعف، بين تلك التي تميزت معالم شخصيتها بالوعي المتوقد والصلابة والإقدام، وبين هذه التي تميزت بالهزل والتخاذل والضياع...

فأين نحن الآن من تلك النماذج الرائعة والأمثلة الحية! أين نحن من الخنساء التي ذهب حزنها على أخيها في الجاهلية مضرب المثل، لكن عندما استشهد أبناؤها الأربعة في ساح الجهاد، وكانت قد حضرتهم... قالت بفخر: الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم وأسأل الله أن يجمعني وإياهم في مستقر رحمته. أمومة وثبات، هكذا كان وعي المرأة المسلمة يومذاك يتجسد... فكم نحن بحاجة لمثل ذاك الانسجام. وهل ننسجم إلا مع العمل والسعي لتبديل جهلنا بديننا.

بمعرفة كافية والتزام واع، وإلا مع إدراك أساليب أعداء أمتنا ومخططاتهم، ومع الوقوف بحزم لصد هذا الطوفان من الأفكار والتقاليد المستوردة. صحيح أن المرأة المسلمة ليست وحدها المسؤولة عما وصلت إليه، ولكنها وحدها المسؤولة عن السعي لتغيير واقعها في الاتجاه الصحيح. إحدى الباحثات الاسرائيليات كتبت منذ أسابيع تقول: "إنه بعد ثلاثين سنة من الجهود المتواصلة... فإن العمل النسائي لليهوديات هو الآن آخذ بالتراجع نحو العد العكسي في كافة الميادين...".

تلك إمرأة دفعت غبر مخطط وليس عبر انسجام، فأعطت بحدود من لايملك النفس الطويل... وكان لا بد أن تؤول بها المقادير إلى نهايتها... قادرات نحن وكنا وما زلنا... بالانسجام، لأن مبادئنا القويمة هي نحن إذا عملنا بها. إن جيلا تربيه أمهات لا يملكن هذا الانسجام، أو أمهات جرفهن التيار... لا بد أن يجد فيه المستعمرون والمتربصون بنا ما يلبي حاجتهم من أشباه الرجال والأمهات والأسر. نحن مسؤلات وكل أب وأخ وزوج قادر على التشجيع مسؤول.

عن النبي صلى الله عليه وآله: ’التوبة حسنة لكنه في الشباب أحسن’
عن الإمام علي(ع) ’أولى الأشياء أن يتعلمها الأحداث، الأشياء التي إذا صاروا رجالاً احتاجوا إليها’
’لئن يؤدّب الرجل ولده خير له من أن يتصدَّق كلّ يوم بنصف صاع’ الرسول الأكرم(ص)

من نحن

موقع ديني ثقافي وفكري يعنى بقضايا المرأة والاسرة والمجتمع

تواصل معنا

يسرّنا تواصلكم معنا عبر الايميل alzaakiyaa@gmail.com