الحج معرض للأخلاق

الحج معرض للأخلاق

الحج ينطوي على استعراض للعبودية والخشوع

كلمة الإمام الخامنئي مع القيمين على شؤون الحج

التقى صباح يوم الأربعاء ٣/٧/٢٠١٩ القائمون على شؤون الحجّ في الجمهورية الإسلامية بالإمام الخامنئي وكان مما جاء في كلمة سماحته قوله بأن الحج استعراض للعبودية والخشوع والأخلاق وإشارته إلى أن الحج عمل سياسي وهذا العمل السياسي يمثل عين التكليف الديني ومعارضته إنما هي سياسة مناهضة للدين،

كما أكد قائد الثورة الإسلامية على وجوب تحمل الحكومة السعودية مسؤولياتها في توفير أمن الحجاج وصون كرامتهم. بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا أبي القاسم المصطفى محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين المنتجبين، سيما بقية الله في الأرضين.

نشكر الله تعالى من أعماق وجودنا على توفيقه وفضله حيث سيبعث الشعب الإيراني العزيز هذه السنة أيضاً كما في السنوات الماضية جماعة لإقامة فريضة الحج وليشاركوا في هذا التجمع العظيم للأمة الإسلامية. أنتم مدراء شؤون الحج وحسب التعبير الصحيح والحسن للسادة: خدام ضيوف الرحمن، يجب أن تعرفوا قدر العمل الذي تقومون به، فهو عمل على جانب كبير من الأهمية، لأن الحج فريضة استثنائية. تتجمع في الحج مجموعة من القيم الإسلامية لا تجتمع في أي واجب آخر وفي أية فريضة أخرى. كل هذه الخصوصيات والسمات من تلك السمات التي يمجدها الإسلام ويشير لها.

والواقع أن الحج مؤشر صغير للمجتمع الإسلامي الأسمى، وهو في الواقع نموذج من ذلك الشيء الذي نطمح إليه في الحضارة الإسلامية. إنه الشيء الذي يجب على الحضارة الإسلامية أن تهديه للبشرية. في الحضارة الإسلامية الحديثة تقف المعنوية إلى جانب الماديات، والتسامي الأخلاقي والمعنوي والروحي والتضرع والخشوع إلى جانب تقدم الحياة المادية. الحج مظهر لمثل هذه الحضارة. كما تلاحظون بشكل واضح أنّ الحج ينطوي على استعراض للعبودية والخشوع ـ ثمة خشوع وعبودية وتضرع من أول أعمال الحج إلى آخرها ـ ويوجد إلى جانب هذا العامل المعنوي مائة بالمائة، عامل اجتماعي هو الوحدة والأخوة والتلون بلون واحد، حيث يقوم الفقير والغني والشعوب المتنوعة والأمم المختلفة والأعراق المتعددة كلها إلى جانب بعضها وبدافع وحافز واحد وبهدف واحد، يقومون كلهم بعمل واحد. فأين نلاحظ مثل هذا الشيء في مكان آخر؟ سواء بين فرائض الإسلام أو في ما نعلمه عن الأديان المتعددة الأخرى، لا يوجد مثل هذا الشيء.

والحج في الوقت نفسه ينطوي على عنصر حراك. إنه عبادة لكن الإنسان يلاحظ في هذه العبادة أن هناك حراكاً وطوافاً وسعياً وذهاباً ومجيئاً، وهو في الوقت ذاته استعراض للاجتماع والتجمع.

هذه التجمعات الشعبية العجيبة حيث يجتمع الناس إلى جوار بعضهم في عرفات أو في المشعر الحرام أو في أيام منى، هي أيضاً من مظاهر الحياة الاجتماعية في الإسلام. كل هذا موجود ومتوفر في الحج. الحج معرض للأخلاق: «فَلا رَفَثَ وَلا فُسوقَ وَلا جِدالَ فِي الحَجّ» (2)، المكان هناك مكان الأخوة والأخلاق والتسامح وليس مكان شجار بين الناس ولا مكان جدال. تلاحظون أن كل هذه العناصر العجيبة والبنّاءة والتعليميّة المفيدة مجتمعة في الحج. فريضة الحج مثل هذه الفريضة.

من جملة الأخطاء الجسيمة التي كنا نسمعها دائماً، ولا تزال تصدر الآن أيضاً من بعض الألسنة غير المكترثة لحقائق الإسلام أنه «لا تسيسوا الحج»، ما معنى لا تسيسوا الحج؟ ما نحتاجه في الحج من الشؤون السياسية هو عين تعاليم الإسلام. تحقيق الوحدة شأن سياسي وهو أمر الإسلام وهو عبادة «وَاعتَصِموا بِحَبلِ اللهِ جَميعًا وَلا تَفَرَّقوا» (3). إننا حين ندافع في الحج عن الشعب الفلسطيني أو المظلومين في العالم الإسلامي مثل مظلومي اليمن والآخرين وندعمهم فهذا فعل سياسي لكنها سياسة تمثل عين تعاليم الإسلام. فالدفاع عن المظلوم هو بحد ذاته فريضة وواجب، وهذا الواجب يحدث. أو البراءة من المشركين، إذا كنا نشدد ونصر على قضية البراءة ونقوم بها ـ وينبغي أن تتم كل عام على أفضل وجه إن شاء الله ـ فالسبب هو أنها فريضة إسلامية «أَنَّ اللَّهَ بَريءٌ مِنَ المُشرِكينَ وَرَسولُه» (4). المؤمنون

«بُرَآءِ» من المشركين «إِنَّا بُرَآؤُا مِنكم وَ مِمَّا تَعبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كفَرنا بِكم وَ بَدا بَينَنا وَ بَينَكمُ الْعَداوَةُ وَ الْبَغضاءُ أَبَداً حتى تُؤمِنُوا بِاللَّهِ وَحدَهُ» (5). كل هذه تعاليم دينية. نعم، إنها سياسة، ثمة في الحج عمل سياسي، بيد أن هذا العمل السياسي هو نفسه وبعينه التكليف الديني، إنه العبادة ذاتها. لاحظوا أن هذه من النقاط المهمة. نعم، أن يمنعوا مثل هذه التحركات السياسية فهذا أيضاً عمل سياسي، لكنها سياسة غير دينية، سياسة مناهضة للدين. أن يقولوا لا يحق لكم في الحج أن تكشفوا حقيقة أمريكا فهذا أيضاً حراك سياسي لكنه حراك سياسي شيطاني، حراك سياسي غير إسلامي.

ولكن أن تعلنوا هناك عن براءتكم من أي مشرك ومن أي معاد للإسلام فهذا أيضاً حراك سياسي لكنها سياسة تمثل عين الدين، هذه هي السياسة الدينية. هذه نقاط يجب أن نعلمها في خصوص الحج. من الأمور المهمة جداً في الحج قضية الألفة والأخوة. جرى التأكيد والتحريض في الروايات الصادرة عن أئمة الهدى (عليهم السلام) على الصلاة في المسجد الحرام ومسجد النبي مع من هم ليسوا من الشيعة، شاركوا في صلواتهم واقتدوا بهم. هذه رواياتنا، وهذه هي الألفة وإيجاد الألفة بين الإخوة المسلمين.

ما سمعته من أن البعض يصرون على إقامة صلاة الجماعة في أماكن القوافل والفنادق وغير ذلك ليس سياسة صحيحة وليس نهجاً صائباً، فليذهبوا بين الناس ومع باقي المسلمين في المسجد الحرام وليشاركوا في الصفوف المنظمة للصلاة في مسجد النبي. تكوين الأمة الإسلامية في تجمعات المسلمين الكبيرة من الأمور المتوافرة المتحققة في الحج.

من الأمور المهمة التي ينبغي على الحجاج الإيرانيين التنبه لها هي أن الحجاج الإيرانيين ينبغي أن يرفعوا من السمعة الحسنة لوطنيتهم الإيرانية وهويتهم الإيرانية والجمهورية الإسلامية الإيرانية. «كونوا لَنا زَينا» (6). سلوك الحاج الإيراني ـ سواء سلوكه مع أصدقائه وفي حياته الطبيعية بوقار ورصانة وأسلوب عقلائي وعقلاني، أو سلوكه مع باقي الفرق والشعوب وما إلى ذلك بمحبة ومنطق واستدلال وبراهين وبأسلوب محترم، في كل ذلك ـ يجب أن يدل على أخلاق اجتماعية مميزة للشعب الإيراني. هذا حقاً شيء مهم. وهنا أيضاً توجد تأكيدات كثيرة للشيعة في رواياتنا الواردة عن الأئمة (عليهم السلام) بأن تجعلوا سلوككم وأقوالكم وتعاملكم ومداراتكم لباقي المسلمين بالشكل الذي تكونوا به مبعث سمعة حسنة وعزة.

والمتصدون لأمور الحج ومكة والمدينة وما شاكل في تلك المناطق ـ أي الحكومة السعودية ـ يتحملون واجبات جسيمة، ومن واجباتهم تأمين أمن الحجاج وحرمتهم وكرامتهم. كرامة الحجاج شأن مهم، فهؤلاء هم ضيوف الرحمن، إنهم ضيوف الله تعالى، وينبغي مراعاة احترامهم. ينبغي بالتأكيد إلغاء التصرفات التي تمس بكرامتهم وتفهم بأنها إهانة لهم. طبعاً ينبغي أن لا يجعلوا الأجواء أجواء أمنية، ينبغي أن يراعوا أمن الحجاج ولكن لا يجعلوا الأجواء أمنية، بل يجب أن تكون أجواء هادئة وأجواء حياة طيبة. في هذه المدة التي يتواجد فيها الحجاج في مكة والمدينة وباقي المناطق والمراكز ـ طوال شهر أو أقل أو أكثر ـ ينبغي أن يكون سلوكهم سلوكاً مناسباً. واهتموا كثيراً بالدعاء والصلاة والخشوع والتوسل. الحق أن فرصة التواجد في المسجد الحرام ومسجد النبي فرصة مغتنمة لا تتاح للإنسان العادي بسهولة. وقد أتيحت لكم الآن ولأولئك الحجاج الإيرانيين المحترمين واستطاعوا وتوفقوا للوصول إلى هناك. الدعاء والصلاة في المسجدين والطواف في المسجد الحرام والتضرع والتوجه إلى الله، هذه أمور يجب عدم التفريط بها.

أن يتجولوا في الأسواق وهنا وهناك للتبضع والشراء وما إلى ذلك فهذا بخلاف شأن المؤمن العارف لقدر الحج الإبراهيمي. والنتيجة هي أن الحج فريضة استثنائية وممتازة، والآيات والروايات في خصوص الحج تدل كلها أن هذه الفريضة يجب أن تمد الشخص الذي توفق لأدائها بدروس فردية واجتماعية متنوعة. إذا أردنا إطاعة هذا الأمر وهذه الفريضة الكبرى وأداءها بالمعنى الحقيقي للكلمة فيجب أن نتفطن لهذه النقاط ونراعها. والبراءة من المشركين من الأعمال المهمة واللازمة، وكذلك صلوات الجماعة في المسجدين الشريفين كما ذكرنا، وأيضاً الدعاء. غالباً ما أقام ويقيم الحجاج الإيرانيون دعاء ندبة جيد ودعاء كميل جيد، وهذا عمل حسن جداً، ولتتركز المحاولة على القيام بذلك إن شاء الله، لأنه تضرع جماعي وتوجه إلى الله تعالى في أفضل الأماكن.

أسألوا الله تعالى أن يرفع مشكلات ومعضلات الأمة الإسلامية والمجتمعات الإسلامية ويبعد شرور الأعداء عن العالم الإسلامي. هذه المعارف والحقائق الإسلامية هي اليوم مستهدفة بشدة من قبل أعداء الإسلام. إنها هدف لعداء حقيقي من قبل هؤلاء المستكبرين وأمريكا هذه التي تلاحظون أنهم يهاجمون بكل هذه الوحشية الأجواء الإسلامية والبيئة الإسلامية والناس المسلمين في مختلف المجالات الثقافية والاقتصادية والسياسية والأمنية وغيرها. يعادون هذه الحقائق الإسلامية. وإذا ترك المسلمون هذه الحقائق الإسلامية جانباً وتلونوا بلونهم وعاشوا على غرار حياتهم، فسوف يرتفع هذا العداء. إنهم يعادون هذه الحقائق لأن هذه الحقائق على الضد من منحاهم الظالم. إنكم عندما تصلون بتضرع وخشوع تقولون: «اِياك نَعبُدُ وَاِياك نَستَعين» (7). تتضرعون وتخشعون أمام الله ومعنى ذلك أنكم لا تخضعون ولا تخشعون ولا تستسلمون مقابل غير الله وأمام القوى المادية، وهذا ما يثير عداءهم وهو ما يبعث على النصر والتقدم والصلاح ونجاة الأمة الإسلامية. الالتزام بأسس الإسلام والالتزام بالشريعة الإسلامية، هذا هو ما سينقذ الأمة الإسلامية.

ما هو محسوس في مجتمعنا هو أننا أينما أثبتنا التزامنا بأسس الإسلام وحدوده أكثر فإن الله تعالى ساعدنا أكثر واستطعنا التغلب على المشكلات. وأينما غفلنا نلنا جزاء غفلتنا. وما أشعر به لمستقبل هذا البلد وحتى لمستقبل الأمة الإسلامية وألاحظه هو أن الأعداء المتوحشين المفترسين الظلمة المبغضين للعالم الإسلامي ولشعب إيران وللأمة الإسلامية سوف يضطرون في نهاية المطاف للركوع أمام الإسلام، وما سيحدث في المستقبل بتوفيق من الله هو عزة الإسلام والمسلمين وتقدم المجتمعات الإسلامية. هذا المستقبل حتمي لكنه بحاجة إلى جهود، وما من هدف ولا ثمار تكتسب من دون جهود ومجاهدة وتضحية وتعاون.

نتمنى إن شاء الله تعالى أن يوفقنا جميعاً وكل الشعب الإيراني وكل المسلمين في العالم بالسير على هذا الدرب بكل وجودنا وأن نحظى فيه بالتوفيق الإلهي. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الهوامش: 1 ـ في بداية هذا اللقاء تحدث حجة الإسلام السيد عبد الفتاح نواب (ممثل الولي الفقيه في شؤون الحج والزيارة) والسيد علي رضا رشيديان (رئيس منظمة الحج والزيارة).

2 ـ سورة البقرة، شطر من الآية 197 .

3 ـ سورة آل عمران، شطر من الآية 103 .

4 ـ سورة التوبة، شطر من الآية 3 .

5 ـ سورة الممتحنة، شطر من الآية 4 .

6 ـ أمإلى الصدوق، ص 400 .

7 ـ سورة الحمد، الآية 5 .

عن النبي صلى الله عليه وآله: ’التوبة حسنة لكنه في الشباب أحسن’
عن الإمام علي(ع) ’أولى الأشياء أن يتعلمها الأحداث، الأشياء التي إذا صاروا رجالاً احتاجوا إليها’
’لئن يؤدّب الرجل ولده خير له من أن يتصدَّق كلّ يوم بنصف صاع’ الرسول الأكرم(ص)

من نحن

موقع ديني ثقافي وفكري يعنى بقضايا المرأة والاسرة والمجتمع

تواصل معنا

يسرّنا تواصلكم معنا عبر الايميل alzaakiyaa@gmail.com