الفراغ: أزمة أنشطة أم نمط حياة؟

الفراغ: أزمة أنشطة أم نمط حياة؟

لنساعد أبناءنا على استثمار الفراغ عملياً

 

د. أميمة عليق (*)

يُنظر إلى الفراغ من الناحية التربويّة – الاجتماعيّة أنه الوقت الذي يمتلكه الفرد، دون أن يكون لديه أيّ عمل أو تكليف خاصّ، وهو يستطيع أن يقوم بأي شيء يريده. أي هو الوقت الذي يستطيع الفرد أن يملأه بالاستراحة، الترفيه، تنمية المهارات، المشاركة التطوعية بأي عمل بعد أن يكون قد أنهى الأعمال المطلوبة منه.

*مفهوم حديث من الضروري أولاً، أن نذكر أنّ ظاهرة أوقات الفراغ ظاهرة حديثة، بدأت مع الحياة “العصريّة” ذات الثقافة الصناعيّة – الاستهلاكيّة، حيث ارتبط العمل والمدرسة بدوام معين، وصار كلّ ما تبقى من الوقت يعدّ وقت فراغ.

ففي الماضي، حين كان أفراد العائلة كُثراً والأقارب يعيشون قرب بعضهم بعضاً، لم يكن الشاب أو الطفل يشعر أنه وحده أو يشعر بالملل وعدم القدرة على القيام بأيّ عمل. وعليه ارتبط مفهوم مشكلة وقت الفراغ بنمط الحياة الغربيّة، ومن ثم تمدّد، وفقاً لانتشار هذا النمط، في المجتمعات الأخرى الضعيفة ثقافياً، والتي لا تملك مشروعاً حضارياً واضحاً للمواجهة، وبناءَ نمطِ حياةٍ خاصٍّ بها. وحالياً بدأ التنافس بين الحريصين على الأطفال والشباب وبين الساعين لتضييع وقتهم في تقديم ما يصبّ في خانة أهدافهم الإيجابيّة منها والسلبيّة.

*الفراغ:

طاقة مهدورة وقف خبراء التربية والاجتماع وعلماء النفس لينظروا إلى أهميّة الاستفادة من أوقات الفراغ فرصدوا نتائج إيجابية لهذا الأمر، منها:

 أ – الراحة التي تزيد الحيويّة والنشاط، خاصةً عندما يقوم الطفل أو الشاب بعمل يختاره بنفسه

ب – التفريغ العاطفي، الذي يكون الفرد بحاجة إليه بعد الرتابة التي قد ملأت حياته اليومية. 

ج – ظهور الإبداع في أوقات الفراغ، لأن الشاب أو الطفل يختار بملء إرادته ما يريد إنجازه.

وفي النتائج السلبية لأوقات الفراغ التي أظهرتها هذه الدراسة، أن وقت الفراغ يرتبط بشكل دال مع الظواهر التالية: أ – الشعور بالملل والاكتئاب. ب – الميل إلى كسر المعايير الاجتماعيّة المقبولة، على سبيل المثال: نجد أن الشباب الذين يعانون من الفراغ، هم الأكثر ظهوراً بأشكال مرفوضة من قبل أهلهم والمجتمع (طريقة تسريح الشعر، نوع الثياب، نوع الكلام…).

*الفراغ ليس نوعاً واحداً من ناحية أخرى تمّ تقسيم هذه الفراغات إلى 4 أنواع كالتالي:

1 – الفراغ المرضي: ويسمى أيضاً الفراغ الخالي. وهو الذي يعتبر مضيعة للوقت وتلفاً للساعات. يظهر في الوقوف مثلاً على جانب الطريق والنظر إلى الناس دون أيّ هدف يذكر. يظهر هذا النوع من الفراغ في العائلات المتساهلة تربوياً.

2 – الفراغ الانفعالي: ويظهر عند الشباب الذين يجلسون أمام التلفاز مثلاً أو يستمعون إلى المذياع، يلعبون الألعاب الإلكترونية ولكن دون أي تفاعل مع المحيط، ودون أن يعرفوا بعد أن انتهى البرنامج ماذا استفادوا مما كانوا يشاهدون. يظهر هذا النوع من الفراغ في العائلات المفكّكة.

 الفراغ النصفي: وهو الفراغ الذي يقوم به الأفراد بنشاط، مهما كان بسيطاً، يفرحون به. قد يقومون بعمل فنّي وينهونه في نصف وقت الفراغ لكنه في النهاية عمل. قد يظهر في العائلات التي تنظِّم أوقات فراغ أبنائها دون رأي جدي من قبل الأبناء.

4 الفراغ الفعّال: وهو الفراغ الذي يملأه الفرد (الشاب أو الطفل) بأنشطة فعالة، نشيطة واجتماعية تطوعية. هذا النوع من الفراغ هو الذي يبني الشخصيّة ويؤدي إلى البلوغ العاطفي والاجتماعي والشخصي.

*الفراغ والملل هناك سؤال يطرح بشكل جديّ: لمَ يترافق الفراغ مع الشعور بالملل؟

هناك أسباب لذلك، منها

1 – عدم القدرة على التنظيم بشكل عام

2 – الميوعة وعدم تعويدنا أطفالنا على الجديّة، بحجّة أنهم أطفال. مع أنّ الجديّة إحدى علامات الصحّة النفسيّة

3 – ضعف الهمّة

4 – عدم رسوخ فكرة أنّ الحفاظ على الوقت عبادة

5 – عدم وضوح الأولويات في حياة أبنائنا. ولعلّ النظام التعليمي المدرسي يجعلهم آلات تدرس للعلامات، وليس طلباً للعلم

6 – عدم التدريب على القيام بعدّة أعمال وعدّة مهام وأدوار في وقت واحد. وهو ما يعدّ تدريباً على الحياة الحقيقيّة، التي تتطلب القيام بأعمال عديدة. يقول الإمام الخامنئي جواباً عن سؤال بعض الفتية والفتيات والشباب “قائدنا ماذا تريد منا؟” فأجاب: “إنكم تتميّزون بالطاقة والأمل والإبداع، 

وعليه فأنا أريد منكم طلب العلم وتهذيب الأخلاق والرياضة”، ثم يضيف سماحته: “هذه الأولويات مع بعضها بعضاً؛ وليس بالتدرّج:

أولاً.. ثانياً.. ثالثاً!”.

*لنساعد أبناءنا على استثمار الفراغ عملياً، كيف أساعد أبنائي على إدارة الوقت والاستفادة من أوقات الفراغ؟

1 – القدرة على التمييز بين أمرين: ما يجب فعله… وما يرغب في فعله. وذلك من خلال إعداد جدول فيه خانتان تحت العنوانين المذكورين.

2 – التوازن والانسجام في ساحات التربية وعدم الإفراط والتفريط في شأن واحد (مراعاة الأبعاد العلميّة، والأخلاقيّة، والدينيّة، والاجتماعيّة، والبدنيّة، والاقتصاديّة، والجماليّة والفنيّة).

3 – الوعي بالوقت اللازم لكل عمل، من خلال تسجيل الوقت المتوقّع اللازم لإنهاء عمل ما ومن ثمّ كتابة الوقت الفعلي الذي أخذه هذا العمل.

4 – الوعي للوقت الأفضل لإنجاز الأعمال.

5 – فَهم مضيّعات الوقت: من خلال تسجيل كلّ من الأعمال التي يقوم بها خلال النهار وفعاليّتها ثم تحديد ما يجب حذفه لأن لا فائدة منه.

6 – تعريف الأبناء على نماذج القادة والعلماء والشخصيّات العظيمة والأولياء من الذين مارسوا عملياً قاعدة أمير المؤمنين عليه السلام “توزيع الوقت توسيعه”. يذكر أحد أصحاب الإمام الخميني قدس سره كيف كان الإمام بعد الصلاة يذكر التعقيبات ويستمع للأخبار من الإذاعة ويلاعب حفيده ويقوم بتمارين رياضية في وقت واحد!

*ماذا عنا نحن الآباء والأمهات؟

علينا أن نعلّم أبناءنا كم من الأعمال يمكن أن يُعد في ميزان حسناتهم، وكم منها ما يمكن أن يؤدَّى في وقت قصير جداً. ولنربط منذ البداية العلم بالعمل، والعمل بالنفع (مادياً أو معنوياً أو نفسياً أو اجتماعياً أو…)، فمن عمل بما يعلم، هداه الله ما لا يعلم، فلا فراغ عندها بين العلم، والعمل، والهداية!

1 – لنكن قدوة في اختيار الأولويّات: نناقش مع أطفالنا لماذا اخترنا هذا الفعل أو النشاط ليكون أولويّة؛ ففي هذا ترسيخ للقيم التي نحاول توصيلها لأبنائنا. لنشرح لهم أنّ لكلّ منّا أولويّاته المختلفة عن الآخر؛ والتي نحدّدها في ضوء الأمور الأكثر قيمة بالنسبة لنا والأكثر أهمية: الثواب ، طلب العلم، المال، التكليف الشرعي، الوضع الاجتماعي، خدمة الآخرين… إلخ.

2 – لنحدّد ما هي الأشياء التي لا يمكن التهاون فيها، وتستلزم إنفاق وقت مناسب لها: التعلم، المسؤوليّات الأُسرية، العبادات. ولا شك أن الاطلاع على الآيات القرآنية، والأحاديث الشريفة، وعلى سيرة المعصومين عليهم السلام والقادة بمنظور التعرّف إلى نمط الحياة الإسلامية المتمايزة عن نمط الحياة الغربية، يوضح لنا المسار وأسلوب المسير بشكل واضح..

3 – لنساعدهم ليفكروا في توابع أو عواقب عدم إنفاق الوقت في محله، فالتعقّل والتفكر أهمّ هديّة تربويّة على الإطلاق، ونساعدهم ليعتادوا سؤال أنفسهم: ماذا لو أفعل هذا الأمر؟ ماذا لو حدّدت له وقتاً أقلّ؟ هل من طرق لتقليل وقت هذا العمل؟

4 – لنساعدهم ليحلّلوا ويفكّروا في البدائل والخيارات الأخرى، ولا ننسَ أنّ الشيطان هو صاحِب نظريّة الخيار الواحد وإلّا اليأس، وأن الأولياء يبدعون في خلق البدائل وتنوّع المجالات حتى يصبح كلّ شيء وكلّ عمل وكلّ نيّة عبادةً وتكاملاً.. حتى الأكل والنوم!

5 – لنستغل عمر الطفولة، لأن أطفالنا على استعداد ليتعلّموا كيف ينظّمون أوقاتهم وفق جدول يومي، أو أسبوعي، أو شهري، فلندرّبهم ونتدرّب معهم على الحياة المتوازنة. وفي النهاية: لأن الوقت هو نعمة الله الكبرى ليحقّق الإنسان تكامله ولأنه أمانة ورصيد ثمين. لأن الوقت نحاسب عليه فنسأل عن عمرنا وعن شبابنا. لأن الكسل يضرّ بالدين والدنيا وقيمة الإنسان على قدر همّته.لنكن قدوة لأبنائنا، وقادة مربّين لهم في ملء الفراغ بما يعطينا ويعطيهم عافية الدنيا والآخرة… من خلال تنظيم العلم والعمل والهداية الإلهية التي تتنزّل بواسطتهما. ________________________________________

(*) باحثة في التربية الدينية.المصادر: – مفاتيح الحياة، جوادي آملي، نشر إسراء، قم المقدسة. – مشكاة النور، الإمام الخامنئي دام ظله (2012) العدد (57)، نشر جمعية المعارف الثقافية، بيروت.

– ضرورت وأهميت نظم در خانواده [ضرورة وأهمية التنظيم في العائلة] محسن، إيماني (2009). مجلة (بيوند) العدد 351 الصادرة عن وزارة التربية في الجمهورية الإسلامية.

– نسيم مهر [نسيم الرحمة] دهنوي، حسين (2010). انتشارات خادم الرضا.

– أسلوب حياة روح الله، (2014) مؤسسة الثقافة والإعلام الإسلامي، طهران.

المصدر: مجلة بقية الله ، العدد 275.

عن النبي صلى الله عليه وآله: ’التوبة حسنة لكنه في الشباب أحسن’
عن الإمام علي(ع) ’أولى الأشياء أن يتعلمها الأحداث، الأشياء التي إذا صاروا رجالاً احتاجوا إليها’
’لئن يؤدّب الرجل ولده خير له من أن يتصدَّق كلّ يوم بنصف صاع’ الرسول الأكرم(ص)

من نحن

موقع ديني ثقافي وفكري يعنى بقضايا المرأة والاسرة والمجتمع

تواصل معنا

يسرّنا تواصلكم معنا عبر الايميل alzaakiyaa@gmail.com