حب الدنيا في القرآن

حب الدنيا في القرآن

أنّ زخارف الدنيا وبريقها الخادع يُعد أحد الموانع المهمّة للتكامل المعنوي والصعود في درجات الكمال الإلهي للإنسان

إنّ القرآن الكريم يرى أنّ الدنيا ما هي إلّا لعب ولهو كما يلهو ويلعب الأطفال، وقد ورد وصف ذلك في آيات متعدّدة، ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ&﴾1.

وفي آية اُخرى قوله تعالى ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ&﴾2. وفي الحقيقة: إنّ هذه الآيات الكريمة تشبّه أصحاب الدنيا بأنّهم كالأطفال الّذين يعيشون الغفلة والجهل عمّا يدور حولهم ولا همّ لهم إلّا الاشتغال بالتوافه والسفاسف من الأمور فلا يرون حتّى الخطر القريب المحدق بهم.

بعض المفسّرين قسّم حياة الإنسان إلى خمس مراحل (من الطفولة إلى أن يبلغ مرحلة الكهولة في سن الأربعين) وذكر أنّ لكلّ مرحلة ثمان سنوات وقال: إنّ السنوات الثمانية الأولى من عمر الإنسان هي مرحلة اللعب، والسنوات الثمانية الثانية هي مرحلة اللهو، والسنوات الثمانية الثالثة حيث يعيش الإنسان في فترة الشباب فإنّه يتجه إلى الزينة والالتذاذ بالجمال، والسنوات الثمانية الرابعة يقضي وقته وطاقاته في التفاخر، وأخيراً في السنوات الثمانية الخامسة يهتم بالتكاثر في الأموال والأولاد، وهنا يثبت شخصية الإنسان ويستمر على هذه الحالة إلى آخر عمره، وبالتالي فإنّ أصحاب الدنيا لا يبقى لهم مجال للتفكُّر في الحياة المعنوية والقيم الإنسانية السامية.

2- ومن الآيات الأخرى في هذا المجال نرى مفهوم "متاع الغرور" بالنسبة إلى الحياة الدنيا حيث يقول تعالى﴿وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ&﴾3.

ويقول في مكان آخر ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ&﴾4. وهذه التعبيرات تدلّ على أنّ زخارف الدنيا وبريقها الخادع يُعد أحد الموانع المهمّة للتكامل المعنوي والصعود في درجات الكمال الإلهي للإنسان وما دام هذا المانع موجوداً فإنّه لا يصل إلى شيء من هذه الكمالات المعنوية.

إنّ الحياة الدنيا مثلها كمثل السراب الّذي يجذب العطاشى نحوه في الصحراء المحرقة ولكنهم لا يحصلون على شيء منه أخيراً، وهكذا حال التعلُّقات المادّية الدنيوية فإنّها تجذب أصحاب الدنيا نحوها طمعاً في إرواء ظمأهم وعطشهم إلّا أنّهم لا يجدون ما يطلبونه في هذا المسير المنحرف بل يزدادون ظمأً وحُرقة، وكما أنّ السراب يبتعد عن الإنسان كلّما مشى نحوه وهكذا يظلّ يركض وراء السراب حتّى يهلك، فكذلك الدنيا تبتعد عن الإنسان كلّما اتّجه نحوها فتزيده عطشاً لها وإرهاقاً حتّى يهلك.

ونرى هذه الحالة في الكثير من أصحاب الدنيا الّذين يركضون وراء متاع الدنيا وزخارفها سنوات مديدة من عمرهم وعندما يحصلوا على شيء منها فإنّهم يصرّحون بأنّهم لم يجدوا ضالّتهم ألّا وهي (الهدوء النفسي والطمأنينة الروحية) بل يعيشون الجفاف الروحي أكثر ويجدون أنّ ملذّات الحياة الدنيا تقترن دائماً مع الأشواك والمنغّصات وبدلاً من أن تورثهم الهدوء والطمأنينة فإنّها تعمل على إذكاء حالة القلق والاضطراب في جوانحهم وأعماق وجودهم وبذلك لا يجدون مبتغاهم فيها.

3- وهناك طائفة أخرى من الآيات الكريمة الّتي تقرّر لنا هذه الحقيقة، وهي أنّ الانجذاب نحو زخارف الدنيا وزبارجها يؤدّي إلى أن يعيش الإنسان الغفلة عن الآخرة، أي أن يكون الشغل الشاغل له وهمّه الوحيد هو تحصيل هذه الزخارف الخادعة، فتقول الآية الشريفة: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ&﴾5.

فهؤلاء يجهلون حتّى الحياة الدنيا أيضاً وبدلاً من أن يجعلوها مزرعة الآخرة وقنطرة للوصول إلى الحياة الخالدة ونيل المقامات المعنوية وميداناً لممارسة السلوكيات الّتي تصعد بهم في سُلّم الفضائل الأخلاقية ومدارج الإنسانية، يتخذون الدنيا بعنوان أنّها الهدف النهائي والمطلوب الحقيقي والمعبود الواقعي لهم، ومن الطبيعي أنّ مثل هؤلاء الأشخاص يعيشون الغفلة عن الحياة الأخرى. ويقول القرآن الكريم في آية أخرى: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ&﴾6 ثمّ تضيف الآية ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ&﴾7 أجل فإنّ الأشخاص الّذين يعيشون ضيق الأفق ومحدودية الفكر فإنّهم يرون الدنيا كبيرة وواسعة وخالدة وينسون الحياة الأخرى الأبدية الّتي قرّرها الله تعالى لحياة الإنسان الكريمة والمليئة بالمواهب الإلهية والنعيم الخالد.

4- ونقرأ في قسم آخر من الآيات الكريمة أنّ الدنيا هي "عرض" على وزن "غرض" بمعنى الموجود المتزلزل والّذي يعيش الاهتزاز والتغيُّر والتبدُّل في جميع جوانبه وحالاته، ومن ذلك قوله تعالى ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ&﴾8.

وتقول الآيات في مكان آخر مخاطبة لأصحاب النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ&﴾9. وفي آيات أخرى نجد هذا التعبير أيضاً حيث يدلّ على أنّ جماعة من المسلمين أو غير المسلمين وبدافع من الحرص والطمع تركوا الاهتمام بالمواهب الإلهية الخالدة والحياة الأخرى والقيم الإنسانية العالية واشتغلوا في جمع زخارف الدنيا الزائله وإشباع الملذّات الرخيصة في حركة الحياة الدنيا. أجل فإنّ النعمة الحقيقية هي ما عند الله تعالى وما بقي فكلّه "عرض" يقبل الزوال والاندثار. وهذا التعبير هو في الحقيقة إنذار لجميع طلّاب الدنيا بأنّهم ينبغي عليهم الاهتمام بما لديهم من طاقات ورأس مال عظيم وبإمكانهم استخدامها في سبيل حياة كريمة وخالدة فلا يضيّعونها في الأمور الرخيصة والزائلة. 5- ونقرأ في قسم آخر من الآيات التعبير عن المواهب المادّية بأنّها ﴿زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا&﴾10

. ووردت تعبيرات مشابهة لهذه الآية في آيات أخرى أيضاً في قوله ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ&﴾11. وفي مكان آخر يخاطب القرآن الكريم نساء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا&﴾12.

وهذه التعبيرات توضح بصورة جيّدة أنّ هذا البريق لزخارف الحياة الدنيا ما هو إلّا زينة للحياة المادّية، وبديهي أنّ الإنسان لا يُعبّر عن الأمور الحياتية والمصيرية بتعبير "زينة" أو "زينة الحياة الدنيا" أي الحياة السفلى والتافهة. ومن الجدير بالذكر أنّه حتّى أنّ مفهوم "الزينة" نجده في آيات أخرى مبنياً للمجهول حيث ورد تعبير "زُيّن" وهذا يدلّ على أنّ هذه الزينة غير حقيقية بل خيالية ووهمية. مثلاً نقرأ في سورة البقرة الآية: 212 قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا&﴾.

ونقرأ في سورة آل عمران الآية: 14 قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ&﴾. هذه التعبيرات وتعبيرات أخرى مماثله تشير إلى أنّه حتّى مفهوم "الزينة" في مثل هذه الموارد ما هي إلّا زينة وهمية وخيالية حيث يتوهّم الناس من طلّاب الدنيا أنّها زينة حقيقية وواقعية.

وهنا يتبادر سؤال مهمّ، وهو أنّه لماذا جعل الله تعالى مثل هذه الأمور زينة في أنظار الناس؟ ومن المعلوم أنّ الدنيا إنّما جُعلت لتربية الإنسان واختباره وامتحانه لأنّ الإنسان إذا ترك مثل هذه الزينة الجميلة والخادعة والّتي تكون مقرونة بالحرام والإثم غالباً من أجل الله تعالى والسير في خطّ التقوى والإيمان فإنّ ذلك من شأنه أن يُعمِّق في نفسه روح التقوى والقيم الأخلاقية ويصعد به في مدارج الكمال المعنوي وإلّا فإنّ صرف النظر عن هذه الأمور المخادعة بمجرّده لا يُعدّ افتخاراً ومكرمة للإنسان. وبعبارة أدقّ فإنّ التمايلات والرغبات الباطنية والأهواء النفسانية تزيّن للإنسان الأمور المادّية بزينة جميلة لكي تدعوه إلى ارتكاب الإثم وممارسة الحرام، وعليه فإنّ هذه الزينة تنبع من ذات الإنسان ومن باطنه، وعندما نرى في الآيات الكريمة نسبة التزيّن إلى الله تعالى فذلك بسبب أنّ الله تعالى هو الّذي خلق هذه التمايلات والرغبات والأهواء الطاغية، وعندما نقرأ في بعض الآيات نسبتها إلى الشيطان الرجيم في قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ&﴾13

فذلك بسبب أنّ عملية التزيين هذه بالرغم من أنّها من جهة منسوبة إلى الله تعالى بسبب القانون العام في عالم الخِلقة، إلّا أنّ اتّباع هذه الأهواء والشهوات من جهة هو عمل الشيطان الرجيم الّذي يسوّل للإنسان هذه الأمور الخاطئة ليوقعه في الإثم والذنب. وعلى أيّة حال فإنّ المستفاد من مجموع الآيات المذكورة أعلاه أنّ "حبّ الدنيا" إذا استقرّ في قلب الإنسان وبصورة مفرطة فإنّه سيؤدّي به إلى الابتعاد عن الله تعالى والغفلة عن الآخرة.

الدنيا المطلوبة والدنيا المذمومة قلنا كراراً أنّ المقصود من حبّ الدنيا في هذا البحث هو ما يساوي العشق للدنيا لا الاستفادة المعقولة من المواهب المادّية والطبيعية للتوصّل بها إلى الكمال المعنوي فإنّ ذلك ليس من حبّ الدنيا قطعاً بل من حبّ الآخرة، وبعبارة أخرى إنّ الكثير من البرامج المعنوية للسير في خطّ التكامل الإنساني لا تتسنّى بدون الامكانات المادّية، وفي الواقع إنّ هذه الإمكانات المادّية من قبيل مقدّمة الواجب الّتي إذا أتى بها الإنسان بنيّة مقدّمة الواجب، فمضافاً إلى أنّها لا تكون عيباً فإنّها تكون مشمولة بالثواب الإلهي أيضاً.

ولهذا السبب نجد في الآيات القرآنية الكثيرة تعبيرات إيجابية عن مواهب الدنيا، ومن ذلك:

1- ما ورد في آية الوصية من التعبير عن مال الدنيا بـ "خير" أي الخير المطلق حيث تقول الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ&﴾14.

2- ويقول في مكان آخر "بركات السماء والأرض" عن مواهب الطبيعة الّتي فتحها الله تعالى للمؤمنين وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ ......&﴾15.

3- ونقرأ في مكان آخر التعبير عن المال والثروة بأنّها "فضل الله" كما ورد في سورة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ&﴾16.

4- وفي آية أخرى ورد أنّ كثرة الأموال والثروات بأنّها ثواب من الله تعالى للتائبين كما ورد في قصّة نوح: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا&﴾17. وفي مكان آخر يقرّر أنّ الأموال هي وسيلة للحياة ومحور للنشاطات الدنيوية للأقوام البشرية وتؤكّد الآيات على عدم وضعها بيد السفهاء وتقول: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً&﴾18.

5- وفي مورد آخر يتحدّث القرآن الكريم عن وعد الله تعالى للمجاهدين في سبيله بالغنائم الكثيرة ويعدّها من أنواع الثواب الإلهي لهم ويقول: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ.......&﴾19.

6- وفي موضع آخر من الآيات القرآنية الكريمة يتحدّث القرآن عن النعم المادّية الدنيوية ويُعبّر عنها بـ "الطيّبات" كما نقرأ في سورة الأعراف الآية: 32 قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ.....&﴾. وفي مورد آخر يقول: ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ&﴾20.

هذه التعبيرات العميقة وأمثالها من تعبيرات القرآن الكريم يُستفاد منها جيّداً أنّ المواهب المادّية والدنيوية في ظلّ ظروف خاصّة وأجواء متناسبة ليست فقط غير مطلوبة بل هي طيّبة وطاهرة وباعثة على طيب البشر وطهارتهم.

7- ونقرأ في آيات أخرى عبارات تُقرّر أنّ الإمكانات المادّية مضافاً إلى أنّها من فضل الله على الإنسان يمكنها أن تكون سبباً للصعود بالإنسان إلى مرتبة الصالحين، كما ورد في الآية: 75 من سورة التوبة: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ&﴾. هذه الآية الشريفة وبالنظر إلى شأن نزولها كما ورد في التفاسير أنّها نزلت في أحد الأنصار يُدعى "ثعلبة بن حاطب" الّذي طلب من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعو له بكثرة المال لينفق منه في سبيل الله وليكون من الصالحين ففي البداية لم يستجب النبيّ لطلبه لما يعرف من مزاجه وروحيته ولكن بعد إصراره دعا له النبيّ بذلك وكانت النتيجة معروفة، فهذه الآية توضح على أنّ الامكانات المادّية يمكنها أن تكون وسيلة للصعود بالإنسان في مدارج الكمال المعنوي ونيل السعادة الحقيقية والوصول إلى مرتبة الصالحين والمقربين.

ومن مجموع العناوين السبعة الواردة بالآيات أعلاه يتّضح جيّداً أنّ النعم المادّية والمواهب الدنيوية ليست مذمومة وقبيحة بالذّات بل هي تابعة لكيفية استخدامها واستعمالها والطريقة الّتي يسلك بها الإنسان في الاستفادة منها، فلو أنّه استفاد منها بصورة صحيحة لأضحت مطلوبة وجميلة ونقيّة وطاهرة، وفي غير هذه الصورة فهي ذميمة وسلبية ومضرّة.... الخلاصة أوردنا نموذجاً للمنهج: النقلي "تفسير القران بالقران" والاتجاه: الموضوعي الأخلاقي والموضوع عن حبّ الدنيا، من كتاب الأخلاق في القرآن للشيخ مكارم الشيرازي (عالم معاصر). وقد استوحى من آيات القرآن الكريم بخصوص موضوع حبّ الدنيا هذه المبادئ والمواقف الأخلاقية المهمّة:

1- إنّ القرآن الكريم يرى أنّ الدنيا ما هي إلّا لعب ولهو كما يلهو ويلعب الأطفال،

2- ومن الآيات الاُخرى في هذا المجال نرى مفهوم "متاع الغرور" بالنسبة إلى الحياة الدنيا،وهذه التعبيرات تدلّ على أنّ زخارف الدنيا وبريقها الخادع يُعدّ أحد الموانع المهمّة للتكامل المعنوي والصعود في درجات الكمال الإلهي للإنسان وما دام هذا المانع موجوداً فإنّه لا يصل إلى شيء من هذه الكمالات المعنوية.

3- وهناك طائفة أُخرى من الآيات الكريمة الّتي تُقرّر لنا هذه الحقيقة، وهي أنّ الانجذاب نحو زخارف الدنيا وزبارجها يؤدّي إلى أن يعيش الإنسان الغفلة عن الآخرة، أي أن يكون الشغل الشاغل له وهمّه الوحيد هو تحصيل هذه الزخارف الخادعة.

4- ونقرأ في قسم آخر من الآيات الكريمة أنّ الدنيا هي "عرض" على وزن "غرض" بمعنى الموجود المتزلزل والّذي يعيش الاهتزاز والتغيُّر والتبدُّل في جميع جوانبه وحالاته.

5- ونقرأ في قسم آخر من الآيات التعبير عن المواهب المادّية بأنّها "زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" وهذه التعبيرات توضح بصورة جيّدة أنّ هذا البريق لزخارف الحياة الدنيا ما هو إلّا زينة للحياة المادّية، وبديهي أنّ الإنسان لا يُعبّر عن الأمور الحياتية والمصيرية بتعبير "زينة" أو "زينة الحياة الدنيا" أي الحياة السفلى والتافهة. الدنيا المطلوبة والدنيا المذمومة إنّ المقصود من حبّ الدنيا في هذا البحث هو ما يساوي العشق للدنيا لا الاستفادة المعقولة من المواهب المادّية والطبيعية للتوصّل بها إلى الكمال المعنوي فإنّ ذلك ليس من حبّ الدنيا قطعاً بل من حبّ الآخرة، وبعبارة أُخرى إنّ الكثير من البرامج المعنوية للسير في خطّ التكامل الإنساني لا تتسنّى بدون الإمكانات المادّية، وفي الواقع إنّ هذه الإمكانات المادّية من قبيل مقدّمة الواجب الّتي إذا أتى بها الإنسان بنيّة مقدّمة الواجب، فمضافاً إلى أنّها لا تكون عيباً فإنّها تكون مشمولة بالثواب الإلهي أيضاً. ولهذا السبب نجد في الآيات القرآنية الكثيرة تعبيرات إيجابية عن مواهب الدنيا. 

________________________________________

1- سورة الأنعام، الآية: 32. 2- سورة الحديد، الآية: 20. 3- سورة آل عمران، الآية: 185. 4- سورة لقمان، الآية: 33. 5- سورة الروم، الآية: 7. 6- سورة التوبة، الآية: 38. 7- سورة التوبة، الآية: 38. 8- سورة النساء، الآية: 94. 9- سورة الأنفال، الآية: 67. 10- سورة الكهف، الآية: 28 و46. 11- سورة هود، الآية: 15. 12- سورة الأحزاب، الآية: 28. 13- سورة النمل، الآية: 24. 14- سورة البقرة، الآية: 180. 15- سورة الأعراف، الآية: 96. 16- سورة الجمعة، الآية: 10. 17- سورة نوح، الآيتان: 11 12. 18- سورة النساء، الآية: 5. 19- سورة الفتح، الآية: 20. 20- سورة الأنفال، الآية: 26.

المصدر:من كتاب الأخلاق في القرآن للشيخ مكارم الشيرازي

عن النبي صلى الله عليه وآله: ’التوبة حسنة لكنه في الشباب أحسن’
عن الإمام علي(ع) ’أولى الأشياء أن يتعلمها الأحداث، الأشياء التي إذا صاروا رجالاً احتاجوا إليها’
’لئن يؤدّب الرجل ولده خير له من أن يتصدَّق كلّ يوم بنصف صاع’ الرسول الأكرم(ص)

من نحن

موقع ديني ثقافي وفكري يعنى بقضايا المرأة والاسرة والمجتمع

تواصل معنا

يسرّنا تواصلكم معنا عبر الايميل alzaakiyaa@gmail.com