الوحدة الإسلامية في الكتاب والسنّة

الوحدة الإسلامية في الكتاب والسنّة

إِنّما المُؤْمِنُونَ إِخْوَة

 إنّ التشريع الإسلامي ينظر إلى المسلمين على أنّهم أُمّة واحدة يجب أن يسود فيهم الوئام والتآلف بدل الفرقة والاختلاف، ويؤكِّد على وحدة المسلمين ونبذ كلّ ما يهدم هذه الوحدة من النميمة والغيبة والتهمة وغير ذلك، وهذا أمر ملموس لمن راجع الكتاب العزيز والسنة النبوية، وإليك بعض ما ورد في ذلك المجال:

أ. ( إِنّما المُؤْمِنُونَ إِخْوَة )  .

ب. ( والمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِناتُ بَعْضهُمْ أَولياءُ بَعْض ) 

ج. ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّه وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشدّاء عَلى الكُفّار رُحَماء بَيْنهم ) (

د. ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّنات وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظيم )

. هـ . ( وَاعْتَصمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا

و . ( إِنَّ الَّذينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهمْ في شَيْء

. ز. ( إِنَّ هذِهِ أُمَّتكُمْ أُمّةً واحِدةً وَأَنا ربّكُمْ فَاعْبُدُون  وفي سورة المؤمنين الآية 22 : ( فاتَّقُونَ ) مكان ( فَاعْبُدُون ) .

إلى غير ذلك من الآيات الحاثّة على التمسك بحبل اللّه والناهية عن التفرّق. وفي السنة النبوية تصريحات على حفظ الوئام والوداد نأتي ببعضها:

1. مثل المؤمنين في توادّهم وتعاطفهم وتراحمهم بمنزلة الجسد إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

2. المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يدٌ على من سواهم. 

3. إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا، وبلدكم هذا، وشهركم هذا.

الى غير ذلك من الكلمات المضيئة الواردة حول الأُخوة والوحدة الإسلامية التي تزخر بها الصحاح والمسانيد. ولقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يراقب أمر الأُمّة كي لا يشق عصاها منازعٌ جاهل أو عدوٌ غاشم، وكان يقودها إلى الأمام برعايته الحكيمة، وكلّما واجه خلافاً أو شقاقاً ونزاعاً، بادر إلى ترميم صدعِها بحزم عظيم وتدبير وثيق،

ولقد شهد التاريخ له بمواقف في هذا المجال ننتخب منها ما يلي:

1. انتصر المسلمون على قبيلة بني المصطلق، وقتل من قتل من العدو، وأُسر من أُسِر منهم، فبينا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) على مائِهِمْ، نشب النزاعُ بين رجل من الأنصار ورجل من المهاجرين، فصرخ الأنصاري فقال: يا معشر الأنصار، وصرخ الآخر وقال: يا معشر المهاجرين،فلما سمعها النبي، قال: دعوها فانّـها منتنة... يعني انّها كلمة خبيثة، لأنّها من دعوى الجاهلية واللّه سبحانه جعل المؤمنين إخوة وصيرهم حزباً واحداً، فينبغي أن تكون الدعوة في كلّ مكان و زمان لصالح الإسلام والمسلمين عامة لا لصالح قوم ضدّ الآخرين،فمن دعا في الإسلام بدعوى الجاهلية يعزر. 

فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يصف كلّ دعوة تشقّ عصا المسلمين وتمزِّق وحدتهم بأنّـها دعوة منتنة، فكيف لا تكون كذلك وهي توجب انهدام دعامة الكيان الإسلامي وبالتالي انقضاض صرح الإسلام.

2. نزل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دار هجرته والتفَّ حوله قبيلتا: الأوس و الخزرج، فمر شاس بن قيس اليهودي، وكان شيخاً قد عسا، عظيم الكفر ، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم ـ على نفر من أصحاب رسول اللّه من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه مارأى من أُلْفَتهم،وجماعتهم، وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية. فقال: قد اجتمع ملأ بني قَيْلة بهذه البلاد، لا واللّه ما لنا معهم إذا اجتمع مَلَؤهم من قرار، فأمر فتى شاباًمن يهود كان معهم فقال: إعمد إليهم، فاجلس معهم، ثم اذكر يوم «بعاث» ... وكان يوم بعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس و الخزرج، وكان الظفر فيه يومئذ للأوس على الخزرج، وكان على الأوس يومئذ حضير بن سماك الأشهري وعلى الخزرج عمرو بن النعمان البياضي فقتلا جميعاً. دخل الشاب اليهودي مجتمع القوم فأخذ يذكر مقاتلتهم ومضاربتهم في عصر الجاهلية، فأحيا فيهم حميتها حتى استعدوا للنزاع والجدال بحجّة أنّهم قتل بعضهم بعضاً في العصر الجاهلي يوم بعاث، وأخذ الشابُ يؤجج نار الفتنة ويصب الزيت على النار حتى تواثب رجلان من الحيين فتقاولا.

فبلغ ذلك رسول اللّه فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم فقال: يا معشر المسلمين! اللّه، اللّه، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم اللّه بالإسلام وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم من الكفر وألّف به بين قلوبكم؟! لقد كانت كلمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كالماء المصبوب على النار بشدة وقوة، حيث عرف القوم انّها نزعة من الشيطان وكيد من عدوهم، فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً، ثمّ انصرفوا مع رسول ا للّه (عليه السلام) مذعنين، متسالمين، مطيعين قد دفع اللّه عنهم كيد عدو اللّه: شاس بن قيس، فأنزل اللّه تعالى في شاس وما صنع.... 

3. كان لقضية الإفك في عصر الرسالة دويٌّ بين أعدائه، فكان عدو اللّه «عبد اللّه بن أبي» يشيع الفاحشة ويؤذي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقام رسول اللّه في الناس يخطبهم، فحمد اللّه وأثنى عليه ـ ثمّ قال: ـ «أيّـها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي، ويقولون عليهم غير الحقّ؟ واللّه ما علمت منهم إلاّ خيراً ، ويقولون ذلك الرجل واللّه ما علمت منه إلاّخيراً ، وما يدخل بيتاً من بيوتي إلاّ و هو معي ـ وكان كبر ذلك الإفك على عبد اللّه بن أبي بن سلول في رجال من الخزرج. فلما قال رسول اللّه تلك المقالة، قال «أسيد بن حضير» وكان أوسياً: يا رسول اللّه! إنْ يكونوا من الأوس نكفكهم، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك، فواللّه انّهم لأهل أن تضرب أعناقهم، فقال سعد بن عبادة وكان خزرجياً: كذبت لعمر اللّه لا تضرب أعناقهم، أما واللّه ما قلتَ هذه المقالة إلاّ انّك قد عرفت أنّهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلتَ هذا.

فقال أُسيد: ولكنّك منافقٌ تجادل عن المنافقين، وعندئذ تساور الناس حتى كاد أن يكون بين هذين الحيين من الأوس و الخزرج شر. وفي لفظ البخاري: فصار الحيان الأوس و الخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قائم على المنبر فلم يزل يُخَفِّضُهم حتى سكتوا وسكت. 

هذه نماذج من مواقف النبي الأعظم حيال الخلافات التي كانت تنشب أحياناً بين أُمّته، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يصنع من الخلاف وئاماً و من النزاع وفاقاً، ويدفع الشر بقيادته الحكيمة، وما هذا إلاّ لأنّ صرح الإسلام قائم على كلمتين: كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة. وهذا صنو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ووصيّه وخليفته إذ حُرِم من حقّه المشروع، وبدلت الخلافة التنصيصية إلى تداول الخلافة بين تيم وعديّ ثمّ إلى أُمية، قد بقي حليف بيته وأليف كتاب اللّه وهو يرى المفضول يمارس الخلافة مع وجود الفاضل، بل يرى تراثه نهباً ومع ذلك كلّه لم ينبس ببنت شفة إلاّ في موارد خاصة، حفاظاً على الوفاق والوئام وهو (عليه السلام) يشرح لنا تلك الواقعة بقوله: «فواللّه ما كان يُلقى في روعي، ولا يخطر ببالي، أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أهل بيته، ولا انّهم مُنحّوه عني من بعده، فما راعني إلاّ إنثيال الناس على فلان يبايعونه فامسكت يديَ حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمّد، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنّما هي متاع أيّام قلائل...».

( وعندما تسلم منصة الخلافة ورجع الحقّ إلى مداره قام خطيباً فقال: «والزموا السواد الأعظم، فانّ يداللّه مع الجماعة، وإيّاكم و الفرقة، فانّ الشاذّ من الناس للشيطان كما انّ الشاذ من الغنم للذئب، ألا من دعا إلى هذا الشعار فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي هذه».

 هذه هي سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرة وصيه وتلميذه وهما تعربان عن أنّ حفظ الوحدة من أهم الواجبات وأوجب الفرائض، وقد اتبع السنة النبوية المحنكون من الأُمة فجاءوا يوصون بحفظ الوئام ونبذ الخلاف في الظروف العصيبة. وهذا هو الشيخ الإمام أبو الحسن الأشعري لما حضرته الوفاة، قال: اشهدوا عليّ أنّني لا أكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب، لأنّي رأيتهم كلّهم يشيرون إلى معبود واحد والإسلام يشملهم ويعمهم.

 إلى غير ذلك من الكلم المنثورة والمنظومة من الأعلام. وقال بعض الأعاظم و المصلحين: لنتحد على الرغم من أخطائنا، فانّ الوحدة لا تعني في يوم ما، عصمة المنتسبين إليها. 

وأقول أخيرا إنّ الوحدة الإسلامية لا تتحقق ولاتتجسّد المؤتمرات، ولا بالخطب الرنّانة الملقاة فيها، ولا بالشعارات الموجهة إلى الأُمّة الإسلامية. فإنّ هذه الكلمات لا تتجاوز عن أثر الوخزة في البدن، فما لم تكن هناك اجراءات وقرارات عملية لتحقيق الوحدة لا تؤثر هذه المؤتمرات تأثيراً بالغاً، ولأجل أن نخرج عن هذه الدوامة ولا نكتفي بالشعار مكان الشعور ، بل علينا أن نعمد الى خطط عملية

أية الله السبحاني

عن النبي صلى الله عليه وآله: ’التوبة حسنة لكنه في الشباب أحسن’
عن الإمام علي(ع) ’أولى الأشياء أن يتعلمها الأحداث، الأشياء التي إذا صاروا رجالاً احتاجوا إليها’
’لئن يؤدّب الرجل ولده خير له من أن يتصدَّق كلّ يوم بنصف صاع’ الرسول الأكرم(ص)

من نحن

موقع ديني ثقافي وفكري يعنى بقضايا المرأة والاسرة والمجتمع

تواصل معنا

يسرّنا تواصلكم معنا عبر الايميل alzaakiyaa@gmail.com