اربعين الامام

التَّوكُّل على الله وأثره التربويّ

التَّوكُّل على الله وأثره التربويّ

التَّوكُّل هو: الثِّقة بالله عزَّ وجلَّ، والركون إليه، والتَّوكُّل عليه دون غيره من سائر الخلق والأسباب، باعتبار أنّه تعالى هو مصدر الخير، ومسبّب الأسباب، وأنّه وحده المُصرّف لأمور العباد، والقادر على إنجاح غاياتهم ومآربهم.

 
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لو أنّكم تتوكّلون على الله حقّ توكّله لرزقكم كما يرزق الطَّير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً"1.
 
التَّوكُّل على الله يعني: انقطاع العبد في جميع ما يأمله من المخلوقين، والاعتماد على الله تعالى في جميع الأمور، وتفويضها إليه، والإعراض عمّا سواه، وباعثه قوّة القلب واليقين، وعدمه من ضعفهما أو ضعف القلب، وتأثّره بالمخاوف والأوهام.
 
والتَّوكُّل هو من دلائل الإيمان، وسمات المؤمنين ومزاياهم الرَّفيعة، الباعثة على عزّة نفوسهم، وترفّعهم عن استعطاف المخلوقين.
 
التَّوكُّل في الكتاب والسُّنَّة
 
تواترت الآيات والرّوايات في مدح التَّوكُّل والحثّ عليه، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾2.
 
وصرّح القرآن الكريم بأنَّ الله تعالى يحبُّ المتوكّلين: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾3. وأنّه من سمات وصفات المؤمنين قال تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾4.
 
وعن الإمام الصَّادق عليه السلام: "إنّ الغنى والعزَّ يجولان، فإذا ظفرا بموضع التَّوكُّل أوطنا"5.
 
وفي رواية أخرى عنه عليه السلام قال: "أوحى الله إلى داود عليه السلام: ما اعتصم بي عبدٌ من عبادي دون أحد من خلقي، عرفت ذلك من نيّته، ثمّ تكيدُه السَّماوات والأرض، ومن فيهنّ، إلَّا جعلت له المخرج من بينهن، وما اعتصم عبد من عبادي بأحدٍ من خلقي، عرفت ذلك من نيّته، إلّا قطعت أسباب السَّماوات من يديه، وأسخت الأرض من تحته، ولم أبالِ بأيّ وادٍ هلك"6.
 
وقال عليه السلام: "من أعطي ثلاثاً، لم يمنع ثلاثاً: من أُعطي الدُّعاء أُعطي الإجابة، ومن أُعطي الشكر أُعطي الزيادة، ومن أُعطي التَّوكُّل أُعطي الكفاية"7.
 
وعنه عليه السلام قال: "قال أمير المؤمنين عليه السلام كان فيما وعظ به لقمان ابنه أن قال له: يا بنيّ، ليعتبر من قصر يقينه وضعفت نيّته في طلب الرّزق، أنَّ الله تبارك وتعالى خلقه في ثلاثة أحوال من أمره، وأتاه رزقه ولم يكن له في واحدة منها كسب ولا حيلة، إنّ الله تبارك وتعالى سيرزقه في الحال الرّابعة، أمّا أوّل ذلك فإنّه كان في رحم أمّه يرزقه هناك في قرار مكين، حيث لا يؤذيه حرّ ولا برد ثمّ أخرجه من ذلك، وأَجرى له رزقا من لبن أمّه يكفيه به، ويربّيه، وينعشه من غير حول به ولا قوّة، ثمّ فطم من ذلك فأجرى له رزقاً من كسب أبويه، برأفة ورحمة له من قلوبهما، لا يملكان غير ذلك، حتّى إنّهما يؤثرانه على أنفسهما في أحوال كثيرة، حتّى إذا كبر وعقل واكتسب لنفسه ضاق به أمره، وظنّ الظّنون بربّه، وجحد الحقوق في ماله، وقتّر على نفسه وعياله، مخافة إقتار رزق، وسوء يقين بالخلف من الله، تبارك وتعالى ـ، في العاجل والآجل، فبئس العبد هذا يا بنيّ"8.
 
كيفيّة التَّوكُّل
 
ليس معنى التَّوكُّل إغفال الأسباب والوسائل الباعثة على تحقيق المنافع، ودرء المضارّ، وأن يقف المرء إزاء الأحداث والأزمات مكتوف اليدين.
 
إنّما التَّوكُّل هو: الثِّقة بالله عزَّ وجلَّ، والركون إليه، والتَّوكُّل عليه دون غيره من سائر الخلق والأسباب، باعتبار أنّه تعالى هو مصدر الخير، ومسبّب الأسباب، وأنّه وحده المُصرّف لأمور العباد، والقادر على إنجاح غاياتهم ومآربهم.
 
فالاعتماد التَّامّ على الأسباب والوسائل وحدها، يعد نوع من الشِّرك الناتج عن ضعف الإيمان، والثِّقة بالله تعالى، ولا ينافي ذلك سعي الإنسان، والاستفادة من الأسباب الطَّبيعيَّة، والوسائل الظَّاهريَّة لتحقيق أهدافه ومصالحه كالتَّزوُّد للسَّفر، والعمل للكسب والربح والعيش والتَّوسعة على العيال، فهذه كلّها أسباب ضروريَّة لحماية الإنسان، وإنجاز مقاصده. وقد أبى الله عزَّ وجلَّ أن تجري الأمور إلّا بأسبابها، فلا بدّ من الأخذ بأسباب الحياة والالتزام بقوانينها، ثمّ نتوكّل على الله تعالى، ونطلب منه أن يمدّنا بالتَّوفيق والعناية والعطاء الغيبيّ.
 
بيْد أنّه يجب أن تكون الثِّقة والتَّوكُّل عليه تعالى، في إنجاح الغايات والمآرب مترافقة أيضاً مع التَّعقُّل والأخّذ بالأسباب الطَّبيعيَّة، وآية ذلك أنّ أعرابيَّاً أهمل عقل بعيره، متوكّلاً على الله في حفظه، فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم له: "أعقل وتوكّل"9.
 
صور وأركان التَّوكُّل
 
سئل أبو الحسن الأوّل عليه السلام عن قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾10. فقال عليه السلام: "التَّوكُّل على الله درجات، منها أن تتوكّل على الله في أمورك كلِّها، فما فعل بك كنت عنه راضياً تعلم أنّه لا يألوك خيراً وفضلاً، وتعلم أنّ الحكم في ذلك له، فتوكَّل على الله بتفويض ذلك إليه، وثق به فيها وفي غيرها"11.
 
النَّاس يتفاوتون في مدارج التَّوكُّل تفاوتاً كبيراً، كتفاوتهم في درجات إيمانهم، فمنهم السبّاقون والمجلّون في مجالات التَّوكُّل، المنقطعون إلى الله تعالى، والمعرضون عمّن سواه، وهم الأنبياء والأوصياء عليهم السلام، ومن دار في فَلكهم من الأولياء.
 
ومن أروع صور التَّوكُّل وأسماها ما رويّ عن نبيِّ الله إبراهيم عليه السلام حيث إنّه: "أمر نمرود بجمع الحطب في سواد الكوفة عند نهر كُوثَى من قرية قطنَانَا، وأوقد النَّار فعجزوا عن رمي إبراهيم، فعمل لهم إبليس المنجنيق فرمي به فتلقّاه جبرئيل في الهواء فقال: هل لك من حاجة، فقال: أمّا إليك فلا حسبي الله ونعم الوكيل، فاستقبله ميكائيل فقال: إن أردت أخمدت النَّار فإنَّ خزائن الأمطار والمياه بيدي، فقال: لا أريد، وأتاه ملك الرِّيح فقال: لو شئت طيّرت النَّار، قال: لا أريد، فقال: جبرئيل فاسأل الله، فقال: حسبي من سؤالي علمه بحالي"12.
 
ويذكر الإمام الخمينيّ قدس سره في كتابه "الأربعون حديثاً" عند الحديث عن التَّوكُّل، أربعة أركان للتَّوكُّل وهي:
1- أنّ الحقّ تعالى عالمٌ بحاجات العباد.
2- أنّه تعالى قادرٌ على تلبية تلك الحاجات.
3- أنّه ليس في ذاته المقدّسة بخل.
4- أنّ الله رحيم بالعباد رؤوفٌ بهم13.
 
آثار التَّوكُّل
 
للتوكُّل على الله تعالى آثار إيجابيّة عديدة منها:
 
1- الإقدام والقوّة:
بما أنّ المتوكِّل على الله يُعلِّق أمله بالقدرة المطلقة اللَّامتناهية، فإنّ أوّل أثر إيجابي يصيغه التَّوكُّل هو أن يثير في نفسه الشُّعور بالقوَّة، والنَّصر، والتَّغلُّب على المحن، والحوادث الكبيرة في حركة الحياة.
فعن الإمام الرضا عليه السلام: "من أراد أن يكون أقوى النَّاس فليتوكَّل على الله"14.
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "كيف أخاف وأنت أملي وكيف أضام وأنت متّكلي"15.
وعن الإمام الباقر عليه السلام: "من توكَّل على الله لا يُغلب، ومن اعتصم بالله لا يُهزم"16.
 
2- الشُّعور بالعزّة والكرامة والغنى:
عن الإمام الصَّادق عليه السلام: "إنَّ الغنى والعزّ يجولان فإذا ظفرا بموضع التَّوكُّل أوطنا"17.
فمن يتوكَّل على الله يكون قد هيّأ الأرضيّة واستعدّ لفيض الله سبحانه، فهو الغنيُّ الّذي يُعطي الغنى، وهو العزيز الّذي يُعطي العزّة، فيُعطيهما لمن توكّل عليه ولم يتوكّل على غيره.
 
3- يُساعد العقل على التَّفكير:
التَّوكُّل على الله يزيد من ذكاء الإنسان وقدرة الذهن على التَّفكير، ويفتح آفاقه المعرفيّة، فيرى الأشياء بوضوح، لأنَّ التَّوكُّل يُشعر الإنسان بالاطمئنان ويُبعد عنه القلق والاضطراب. ومع الطُّمأنينة النَّفسيّة يكون الحكم العقليّ الهادئ. عن الإمام علي عليه السلام أنَّه قال: "من توكَّل على الله أضاءت له الشُّبهات وكُفي المؤونات وأمن التَّبعات"18.
 
4- الراحة والسُّرور:
من الآثار الإيجابيَّة والمهمّة للتَّوكُّل أنَّه يورث الإنسان الرَوْح والرَّاحة في الدُّنيا والآخرة. فعن الإمام عليّ عليه السلام قال: "الاتّكال على الله أروح"19.
 
5- الكفاية والرِّزق:
من بركات التَّوكُّل وآثاره الطيّبة أنَّه سبب أيضاً لكفاية الرِّزق، قال الله تعالى:﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرً﴾20.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من توكَّل على الله كفاه مؤنته ورزقه من حيث لا يحتسب"21. 
 
كيف تكسب التَّوكُّل؟
 
من الأمور والعوامل المساعدة للتَّحلِّي بصفة التَّوكُّل:
1- الاستفادة من المفاهيم والمعاني العالية للتَّوكُّل الواردة في الآيات، والأخبار النَّاطقة بفضله وجميل أثره في كسب الطُّمأنينة والسُّكون.
2- تقوية الإيمان بالله عزَّ وجلَّ، والثِّقة بحُسن صنعه، وحكمة تدبيره، وجزيل حنانه ولطفه، وأنَّه هو مصدر الخير، ومسبّب الأسباب، وهو على كلّ شيء قدير وبكلِّ شيء عليم.
3- التَّنبُّه إلى جميل صنع الله تعالى، وسموِّ عنايته بالإنسان في جميع أطواره وشؤونه، من لدن كان جنيناً حتَّى آخر الحياة، وأنّ من توكَّل عليه كفاه، ومن استنجده أنجده وأغاثه.
4- الاعتبار بتطوّر ظروف الحياة، وتداول الأيّام بين النَّاس، فكم من فقير صار غنيّاً، وغنيٍّ صار فقيراً، وأمير غدا صعلوكاً، وصعلوك غدا أميراً متسلِّطاً.
5- وهكذا يجدر التَّنبُّه إلى عظمة القدرة الإلهيَّة في بسط أرزاق عبيده، ودفع الأسواء عنهم، ونحو ذلك من العبر والعظات الدَّالَّة على قدرة الله عزَّ وجلَّ، وأنَّه وحده هو الجدير بالثِّقة، والتَّوكُّل والاعتماد دون سواه.
* كتاب منار الهدى، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.
________________________________________
1- بحار الأنوار، ج 68، ص 151. (تحقيق: الميانجيّ البهبوديّ).
2- سورة الطلاق، الآية 3.
3- سورة آل عمران، الآية 159.
4- سورة التوبة، الآية 51.
5- أصول الكافي، ج 2، ص 65.
6- بحار الأنوار، ج 14، ص 41. (تحقيق: الربّانيّ الشيرازيّ).
7- بحار الأنوار، ج 68، ص 129. (تحقيق: الميانجيّ البهبوديّ).
8- بحار الأنوار، ج 13، ص 414. (تحقيق: الربّانيّ الشيرازيّ).
(*) في المجلد 68 من البحار وردت أنّ الثانية بالفتح: (أن) (تحقيق: الميانجيّ البهبوديّ)، وفي الخصال: وردت إنّ الأولى وإنّ الثانية كلتاهما بالكسر: الخصال، الشيخ الصّدوق، تحقيق: الغفَّاريّ، قم المقدّسة، منشورات جماعة المدرِّسين 1403 - 1362ش، ص 122.
9- ابن أبي جمهور الاحسائيّ، عوالي اللآلي، تحقيق السيّد المرعشيّ الحاجّ العراقيّ، ط 1، قم، مطبعة سيّد الشهداء، 1403هـ 1983، ج 1، ص 75.
10- سورة الطلاق، الآية 3.
11- بحار الأنوار، ج 68، ص 129. (تحقيق: الميانجيّ البهبوديّ).
12- م.ن، ص 155 - 156.
13- الإمام الخميني قدس سره الأربعون حديثاً، الحديث الثالث عشر، التَّوكُّل.
14- بحار الأنوار، ج 68، ص 143.
15- م. ن، ج 91، ص 229. (تحقيق: الميانجيّ البهبوديّ).
16- م. ن، ج 68، ص 151.
17- م. ن، ج 68، ص 143.
18- الليثي الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، تحقيق: البيرجندي، ط 1، لا. م. دار الحديث، لا. ت، ص 463.
19- عيون الحكم والمواعظ، ص 409.
20- سورة الطلاق،الآية 3.
21- كنز العمّال، ج 3، ص 103.

’لئن يؤدّب الرجل ولده خير له من أن يتصدَّق كلّ يوم بنصف صاع’ الرسول الأكرم(ص)
عن الامام الصادق (ع):بادروا أحداثكم بالحديث قبل أن تسبقكم إليه المرجئة
عن الامام الباقر (ع) : إنما يبتلى المؤمن في الدنيا على قدر دينه.

من نحن

موقع ديني ثقافي وفكري يعنى بقضايا المرأة والاسرة والمجتمع

تواصل معنا

يسرّنا تواصلكم معنا عبر الايميل alzaakiyaa@gmail.com