عبادة المتقين

عبادة المتقين

في الصلاة يعرج الإنسان إلى اللّه، ومهما كان عروج الإنسان في صلاته أكثر كان أقرب إلى اللّه تعالى.

 

يصف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه ‏السلام حال أولياء اللّه‏ في مناجاتهم إذا جنّهم اللّيل، وذِكرهم ووقوفهم بين يدي الله بقوله "أمّا الليل فصافّون أقدامهم" فيها للصّلاة علما منهم بما فيه من الفضل العظيم والأجر الخطير. وقد مدح اللّه القيام فيها والقائمين في كتابه الكريم بقوله تعالى ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾، فعن الإمام الصّادق عليه السّلام في تفسيره: هو السّهر في الصّلاة. وبقوله تعالى ﴿َأمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو حْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾1

. رجال الليل والنهار لليل رجال ودولة، وللنهار رجال ودولة. ودولة الليل في التضرع والاستكانة إلى اللّه والدعاء والمناجاة والذكر والخشوع والتبتل والإنابة والتوبة. ودولة النهار في الجد والعزم والسعي والكدح والجهاد والتقوى. ولكل دولة رجال وأبطال. ومن الناس من يكون من رجال الليل. وليس من رجال النهار.

فإذا جاء الليل نشط للعبادة والتضرع والبكاء والاستكانة، ومن الناس من يكون من رجال النهار في العزم والجد والكدح والتقوى والإخلاص فإذا حلّ به الليل أخلد إلى النوم وسلّم للنوم جوارحه وجوانحه تسليماً. والنوم في حياة الإنسان حاجة كسائر حاجاته الطبيعية، يأخذ منه المؤمن ما يحتاجه منه ولا يستسلم له: "وخلق لهم الليل ليسكنوا فيه من حركات التعب ونهضات النصب فيكون لهم جماماً وقوة ولينالوا به لذة وشهوة"2

. فإن المؤمن إذا اقتصر من النوم على حاجته تحكّم هو في النوم، وإذا سلّم له جوارحه وجوانحه تحكّم النوم فيه. وهؤلاء هم النمط الثاني من الناس. والنمط الثالث من الناس الذين آتاهم اللّه تعالى دولة الليل والنهار، وهم أقل من القليل وصفوة الصفوة من عباد الله، ولا يتكامل الإنسان حق الكمال ولا يبلغ ذروة التقوى والصلاح والمعرفة والذكر إلا عندما يجمع بين دولة الليل والنهار. يقول أمير المؤمنين عليه السلام عن هؤلاء في خطبة المتقين المعروفة بخطبة همّام: "أما الليل فصافّون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونها ترتيلاً يحزّنون به أنفسهم ويستثيرون دواء دائهم، فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعاً وتطلعت نفوسهم إليها شوقاً وظنّوا أنها نصب أعينهم، وإذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم فظنّوا أن زفير جهنم وشهيقها في اُصول آذانهم، فهم حانون على أوساطهم مفترشون لجباههم وأكفّهم وركبهم وأطراف أقدامهم يطلبون فكاك رقابهم. وأما النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء".

وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم القدوة، يأخذ من هذا وذاك بصورة متوازنة، يأخذ من الليل الحب والإخلاص والذكر، ويأخذ من النّهار القوة والسلطان والمال، لتمكين الدعوة وترسيخها وكانت ناشئة الليل تعينه، وتمكّنه من حمل عب‏ء الرسالة الثقيل. يقول تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ الْلَيْلَ إِلاّ قَليلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَليلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرآنَ تَرْتيلاً * إِنّا سَنُلْقى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقيلاً * إِنَّ ناشِئةَ الْلَيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأقْوَمُ قِيلاً * إِنَّ لَكَ فيِ النَّهارِ سَبْحاً طَويلاً﴾3 . الصلاة رحلة إلى اللّه الصلاة رحلة إلى اللّه تعالى، والى هذه الحقيقة يشير الحديث الشريف: "الصلاة معراج المؤمن".

وفي الصلاة يعرج الإنسان إلى اللّه، ومهما كان عروج الإنسان في صلاته أكثر كان أقرب إلى اللّه تعالى. ما هي الغاية من الصلاة؟ وكيف نصلي؟ إن (الذكر) هو الغاية من الصلاة. يقول تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾4. فالصلاة إذن ذكر، والغاية من الصلاة الذكر ولا يتأتى للإنسان الذكر من دون "حضور القلب" في الصلاة، فإن الذكر هو الحضور، والغفلة الغياب، ولكي يحقق الإنسان في صلاته حالة الذكر لابد له من تحضير القلب. ولا قيمة الصلاة إلا بمقدار حضور القلب، وليس للمصلي من صلاته إلا ما أقبل عليها بقلبه. وقد دلت الروايات على ذلك. فعن رسول اللّه صلى الله عليه وآله: "كم من قائم حظه من صلاته النصب والتعب"5.

وعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم: "إذا أقمت للصلاة فعليك بالإقبال على الله، فإنما لك من الصلاة ما أقبلت عليه بقلبك"6. وقد تكون الصلاة فارغة تماماً من ذكر وإقبال على اللّه، وليس فيها من الصلاة إلا الشكل والمظهر.. فيضرب بها وجه صاحبها. الخشوع في الصلاة فَمِنْ عَلاَمَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ.... َخُشُوعاً فِي عِبَادَة.

فما هو الخشوع وكيف يمكن تحصيل هذه الحالة من القرب إلى الله؟ الخشوع في اللغة: هو الخضوع والسكون. قال: ﴿وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾7. أي سكنت. والخشوع في الاصطلاح: لين القلب ورقته وسكونه وخضوعه،فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء،لأنها تابعة له فالخشوع محله القلب ولسانه المعبر هو الجوارح. إن الخشوع في الصلاة، هو توفيق من الله جل وعلا، يوفق إليه الصادقين في عبادته،المخلصين المخبتين له،العاملين بأمره والمنتهين بنهيه.

فمن لم يخشع قلبه بالخضوع لأوامر الله خارج الصلاة،لا يتذوق لذة الخشوع ولا تذرف عيناه الدموع لقسوة قلبه وبعده عن الله.قال تعالى: ﴿ِإنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾8، فالذي لم تنهه صلاته عن المنكر لا يعرف إلى الخشوع سبيلاُ،ومن كان حاله كذلك،فإنه وإن صلى لا يقيم الصلاة كما أمر الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾9. أهم أسباب الخشوع إن الخشوع ما هو إلا ثمرة لصلاح القلب واستقامة الجوارح، ولا يحصل ذلك إلا بمعرفة الله جل وعلا،والإيمان به وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر،ومعرفة أمره والعمل به،ومعرفة نهيه واجتنابه،ثم اقتران ذلك كله بالإخلاص

.لذلك فإن مرد أسباب الخشوع كلها إلى هذه الأمور.

1- معرفة الله وهي أهم الأسباب وأعظمها، وبها ينور القلب ويتقد الفكر وتستقيم الجوارح فالعلم اليقين بلا إله إلا الله، يثمر في القلب طاعة الله وتوقيره والذل والانكسار له في كل اللحظات، ويعلّم المؤمن الحياء من الله لإيقانه بوجوده ومعيته وقربه وسمعه وبصره. قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾10.

2- تعظيم قدر الصلاة والاستعداد لها وإنما يحصل تعظيم قدرها،إذا عظم المسلم قدر ربه وجلال وجهه وعظيم سلطانه، واستحضر في قلبه وفكره إقبال الله عليه وهو في الصلاة، فعلم بذلك أنه واقف بين يدي الله، وقد كان الإمام علي بن الحسين السجاد عليه السلام إذا توضأ اصفر لونه فيقول له أهله:ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء؟ فيقول: "أتدرون بين يدي من أقوم؟"11.

وليس من شك أن الاهتمام من عوامل الانتباه، وكلما يكون اهتمام الإنسان بأمر أكثر يكون انتباهه إليه أكثر وهذه قضية واضحة، فإن الإنسان إذا واجه أمرين وكان اهتمامه إلى أحدهما أعظم من الآخر انصرف إليه بقلبه. وإنما ينصرف الناس عن صلاتهم الى ما يهمهم من أمور دنياهم لأن اهتمامهم بها أعظم من اهتمامهم بالصلاة، إذن الخلفية النفسية لمسألة حضور القلب في الصلاة هي قضية الاهتمامات، وما لم يحول الإنسان اهتماماته من "الأنا" إلى "اللّه" ومن "الدنيا" إلى "الآخرة"... لا يتمكن من أن يؤدي الصلاة أداءً حسناً، بالإقبال والذكر والانشداد.

3- تفريغ القلب إن قلب الإنسان إناء واحد، لا يجتمع فيه أمران متضادان، يقول تعالى: ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهٌِ﴾. فإذا كان قلب الإنسان مشغولاً بشواغل الدنيا، فلا يستطيع أن ينصرف الى ذكر اللّه تعالى، وتبقى هذه الشواغل تلاحقه، وتطارده، حتى في صلاته، وهذه الشواغل على نحوين:

شواغل خارجية، وأخرى داخل النفس،

والثانية أشق من الأولى. أما الشواغل الخارجية فهي ما تحيط الإنسان وتشغل باله، مثل زخرفة مكان المصلّي ونقوش الفرش الذي يصلّي عليه الإنسان.

وأهم من الشواغل الخارجية الشواغل الداخلية في النفس، وهي الاهتمامات التي تشغل المصلي عن صلاته وذكره، وتشتت باله، وترهقه بالطمع والحسد والجشع وطول الأمل.

4- منهج الخطاب عندما ننظر في كتاب أونستمع إلى محاضرة قد نصاب بشرود الذهن، وكذلك الأمر عندما نقرأ كتاباً بصوت مسموع. ولكن عندما نخاطب أحدا أونتلقى خطاباً من احد بالمواجهة لا نصاب بالشرود،ففي حالة الخطاب ينشد الإنسان إلى "المخاطب" (بالفتح والكسر)، بسبب عامل الخطاب. إذن "الخطاب" من أهم عوامل الانشداد. فإذا استشعر المؤمن خطاب اللّه تعالى له في القرآن، وخطابه له تعالى في "الصلاة" و"الدعاء" لم يصرفه عنه شيء، ولا يجد أمراً ألذّ إلى قلبه وعقله منه.

5- تدبر القرآن في الصلاة إن تدبر القرآن من أعظم أسباب الخشوع في الصلاة ,وذلك لما تشتمل عليه الآيات من الوعد والوعيد وأحوال الموت ويوم القيامة وأحوال أهل الجنة والنار وأخبار الأنبياء الرسل وما ابتلوا به من قومهم وكل هذه القضايا تسبح بخلدك فتهيج في قلبك نور الإيمان وصدق التوكل وتزيدك خشوعاً على خشوع وكيف لا وقد قال الله جل وعلا: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونٌَِ﴾12.

صلاة الليل

"وأما الليل فصافون أقدامهم....." إن النوافل هي مجال التنافس والتسابق، والتسامي في نيل الدرجات الزلفى عند رب العالمين، يوم القيامة. قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرٌَُِ﴾13 ومن أهم هذه النوافل، صلاة الليل يقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًاٌَُِ﴾14.

ويقول تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونٌََُِ﴾15.

آثار صلاة الليل فمن آثار هذه الصلاة: 

أولاً: إن صلاة الليل تثبت النور في قلب العبد النور، وقد ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أنه قال: "إن العبد إذا تخلّى بسيّده في جوف الليل المظلم وناجاه، أثبت الله النور في قلبه"16.

ثانياً: إن صلاة الليل تستوجب رضوان الله سبحانه وتعالى، وقد قرن الإمام الرضا عليه السلام بين صلاة الليل ورضا الله تعالى، فقال: "قيام الليل رضا الرب"17.

 المصدر : * المتقون.سلسلة الدروس الثقافية, نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية. 

الهوامش

1- الزمر:9.

2- المجلسي- محمد باقر- بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية المصححة- ج55 ص199، من دعاء الإمام السجاد عليه السلام في الليل والنهار.

3- المزمل:1-7.

4- طه:14.

5- الرازي- وفاة 206- التفسير الكبير ج23 ص77.

6- المجلسي- محمد باقر- بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية المصححة- ج81 ص260.

7- طه:108.

8- العنكبوت:45.

9- البقرة:45.

10- الحديد:4.

11- المجلسي- محمد باقر- بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية المصححة- ج77 ص347.

12- الحشر:21.

13- فاطر:32.

14- الإسراء:79.

15- السجدة:16-17.

16- مستدرك الوسائل: 207/5 باب28.

17- التهذيب2: 121 باب8 ح225.

عن الامام الباقر (ع) : إنما يبتلى المؤمن في الدنيا على قدر دينه.
عن الإمام علي عليه السلام:’إذا غلبت على الكلام فإياك ان تغلب على السكوت’
عن رسول اله صل الله عليه وآله:’إنما يدرك الخير كله بالعقل، ولا دين لمن لا عقل له’
عن رسول الله صل اله عليه وآله: ’إن الله يحب الشاب التائب’

من نحن

موقع ديني ثقافي وفكري يعنى بقضايا المرأة والاسرة والمجتمع

تواصل معنا

يسرّنا تواصلكم معنا عبر الايميل alzaakiyaa@gmail.com