المراحل العمريّة وخصائصها على ضوء رؤية إسلامية تأصيلية

المراحل العمريّة وخصائصها على ضوء رؤية إسلامية تأصيلية

تستفيد فلسفة التربية والتعليم الإسلامية لأجل تقسيم مراحل نمو الإنسان من التوجيهات التي جاءت في الكتب الدينية اضافة للنتاجات العلمية البشرية.

 مدخل

تعتبر مسألة تحديد المراحل العمرية وبيان خصائصها من أمهات مسائل علم نفس النمو، حيث يسعى علماء هذا العلم من خلال رؤيتهم التربوية وتجاربهم التطبيقية، وحياتهم المعاشة إلى تحديد كل تلك العناصر التي تمتاز به كل مرحلة يمر بها الإنسان في حياته، معتمدين في رؤيتهم على مسلمة علمية لديهم من أن تربية الإنسان تختلف من مرحلة عمرية إلى أخرى، وأن الإنسان يتبدل تختلف شؤونه من مرحلة عمرية إلى أخرى، حيث تختلف احتياجاته ورغباته، وميوله وقدراته المختلفة من مرحلة إلى أخرى، وأننا نتحتاج إلى تحديد خصائص كل مرحلة عمرية يمر بها هذا الكائن العظيم الخلقة، لكي نحدد كيف يمكننا أن نتعامل معه في العملية التربوية.

يعتبر الإمام الخامنئي في رؤيته التربوية ضمن هذا السياق "إنّ مرحلة تربية الإنسان هي مرحلة لا محدودة. تبدأ من الولادة وتستمرّ إلى حين الموت. لذا، لا يصحّ أن نحسب أيّ مرحلة من حياة الإنسان هي مرحلة التربية الخاصّة، ونقول مثلاً، الإنسان يتربّى في هذه المرحلة، ولا يتربّى فيما قبلها من المراحل ولا فيما بعدها. وبالطبع، ينبغي لعلماء النفس أن يحدّدوا إلى أيّ درجة يمكن تربية الإنسان في بداية الطفولة، وخاصّة في المرحلة الجنينيّة، ويبيّنوا مثلاً من أيّ شهر أو أيّ عام يمكن للإنسان أن ينال تربيةً صحيحة.

لكن إن جمعنا المجموع إلى بعضه، عندما نقول منذ بداية الحياة، فإن لم تكن بداية الحياة هذه منذ الساعة الأولى للولادة، كما يقول بعض علماء النفس، فإنّ بداية مرحلة التربية هي من الشهر الثالث إلى اللانهاية، أي إلى حين الموت. ولذا، ترون أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أُمر في القرآن الكريم بقوله: "وقل ربّ زدني علماً" والآن، بأيّ مرحلة عمريّة من عمر الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اختصّت هذه الزيادة؟ وهل هي لمرحلة الشباب، أو لمرحلة سنّ الخمسين؟ وإن كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عاش مئة عام، ألا تكون هذه الآية مورداً للبطلان؟ ونحن نعلم أنّ الرسول لو كان عاش مئة عام أيضاً، وخوطب في أواخر أيّام عمره بهذه الآية، فهذا يعني أنّه يمكن أن تُضاف في مرحلة الشيخوخة إلى الإنسان، ومن جملته الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو أفضل الخلق وأكملهم أمورًا [معلومات]. ومع أنّ هناك كلاماً يُقال أيضاً عمّا بعد الموت، من أنّ تكامل الإنسان يستمرّ في مرحلة البرزخ، لكن بما أنّ المسألة لا يمكن إثباتها بالتجربة والدليل، فإنّي لا أطرحها، لكنّ الحدّ الأدنى أنّ مرحلة تربية الإنسان تستمرّ إلى حين الموت، وهي مرحلة لا محدودة ولا متناهية.

(خلافاً للنبات وبعض الأشياء التي مرحلة تربيتها محدودة" (1).

كذلك في اعتباره أن لكل مرحلة خصائصها العمرية فالنظام التربوي "في الإسلام قائم على حقائق من هذا القبيل، وهي أنّ الإنسان بحاجة ملحّة إلى التكامل والتربية، وأنّ مرحلة تكامله وتربيته لا تنحصر بمرحلة خاصّة من مراحل حياته، بل تشملها كلّها. غاية الأمر أنّ هناك حقيقة، وهي أنّ لبعض مراحل عمره خاصّيّة، أي إن التربية فيها تتمّ بنحو أفضل وأسهل، كما أنّ أثر التربية في مرحلة الطفولة والصبا والشباب سيكون أعمق وأبقى. ولذا، بعد أن عدّدنا مرحلة الطفولة بصورة خاصّة، وتليها مرحلة الصبا والشباب، وهي المرحلة الأساسيّة لتربية الإنسان، يمكننا حتماً أن نعرّف النظام التربوي في الإسلام" (2).

الاتجاهات المتعدّدة في هذا البحث:

لا شك أنَّ مسألة تحديد المراحل العمرية تعتبر من أمهات المسائل التربوية، والتي يستفاد منها، أو يستند إليها المخططون للمناهج التربوية، فضلاً عن المربين، والإدارات التعليمية في مختلف العمليات التربوية، لكن يطرح السؤال التالي هنا: ما هو الاتجاه الذي تعتمده التربية الإسلامية والتي يمكنها الاستناد إليه في تحديدها لهذه المراحل وتوضيح خصائصها؟ هل يمكن استبعاد النتائج التي توصل إليها علم نفس النمو، وتطور على يد العديد من رواده كبياجيه، وغيره، والذي استند إلى الأمور التجريبة، ورؤيته السلوكية لتفسيره لهذه المراحل وتحديدها؟ أو أنه لا بد من الاستناد فقط إلى مصادر التشريع الإسلامية في تحديد ذلك؟ أو هناك سبيل آخر ممكن سلوكه؟

الاتجاه الأول:

وهو الاستناد على نتائج علم النفس النمو فقط، إذ أنَّ موضوع هذه المسألة لا دخالة للدين بها، فضلاً عن أن الدين نفسه لم يتكفّل ببيانه بشكل تفصيلي، وجل ما يمكن الاستفادة منه هو الأمور والخطوط العامة، وساد هذا الاتجاه أغلب الأوصات التربوية والتعليمية الإسلامية والعربية فضًلا عن الغربية في عصرنا الحاضر.

الاتجاه الثاني:  

وهو الاستناد على مصادر الدين الإسلامي من آيات قرآنية، وروايات، وأحاديث، أما نتائج علم النفس النمو فهي نتائج تستند إلى ملاحظات واختبارات محدودة، لا يمكن تعميمها والاستناد إليها. وقد ندرج ضمن هذا الاتجاه الدكتور خاسرو باقري، حيث لم يطرق عند الحديث عن المراحل سوى الى الاستدلال عليها بالروايات والآيات.

وقد ذكر في كلامه ما يشير إلى ذلك حيث قال: "انطلاقاً من ذلك، لا يمكن اعتبار الأوامر الواردة في الأخبار والروايات حول ثلاثية السبع سنوات الأولى (اللعب- التبعية- الوزارة)، على أنّها تصميمٌ وطرحٌ للمراحل التربوية. ويمكن أن يكون هدف المراحل المذكورة في الروايات المذكورة أمراً آخراً، كأن تكون مثلاً مراحل لإيصال الفرد الى الاستقلال في الحياة وأمثال ذلك... ومن هذا المنطلق لن يضمّ بعضها سوى بعض المراحل التربوية لا جميعها. بناءً عليه، لا بد من تتبّع طرح و تصميم كامل ومطلوب في آياتٍ و رواياتٍ أخرى. وسوف ننقل فيما يلي روايةً تشكّل مستنداً في دراستنا الحالية، و يمكنها أن تشتمل بعض ثلاثية السبع سنوات المذكورة آنفاً (ولعلّه جميعها)، من دون أن تقف التربية عند السبع سنوات الأخيرة" (3).

الاتجاه الثالث: وهو اتجاه يجمع بين الاستفادة من نتائج العلوم الأخرى وأبرزها علم نفس النمو، وبين المصادر الدينية الإسلامية، حيث يعبر عن ذلك في كتاب فلسفة التعليم والتربية في الإسلام والتي تعبر عن رأي شخصية وازنة ومعاصرة في عالم التربية والفلسفة الإسلامية كالشيخ مصباح اليزدي، ما نصه: "تستفيد فلسفة التربية والتعليم الإسلامية لأجل تقسيم مراحل نمو الإنسان من التوجيهات التي جاءت في الكتب الدينية اضافة للنتاجات العلمية البشرية. كما أنه تلعب المبادئ المقبولة في هذا المذهب دورًا بنيويٍا في تحديد الأولويات التي على أساسها ينبني تقدم بعد من الأبعاد أو مسالة من المسائل على أخرى" (4).

أهمية وضرورة البحث بعد تعريف التربية بأنها:

"عملية تفاعلية، تمهِّد للتشكّل والتسامي المستمرَين لهويّة المتربين، بنحو منسجم، بهدف هدايتهم في مسار الاستعداد والتهيؤ للتحقّق الواعي والاختياري في مراتب الحياة الطيّبة بكافة الأبعاد الإنسانيّة، على أساس النظام المعياري الإسلامي" (5) حيث يجري خلال هذه العمليّة تقديم المعلومات للشخص الخاضع للتعليم والتربية، وكذلك تصحيح أو تقوية رؤاه، وهداية ميوله وإيصال استعداداته وقدراته بأبعادها الكمالية مختلف إلى فعليتها.

وعلى هذا الأساس، فإن الهدف العام للتعليم والتربية في الإسلام هو تنمية الميول والاستعدادات وتقديم الرؤى فيما له علاقة بالتقرب إلى الله تعالى، الذي يشكل الهدف النهائي للتعليم والتربية في الإسلام. وبناءً على المباني الإنسانية، وبما أن التعليم والتربية ذو علاقة بروح وبدن الإنسان وبما أن هذين البعدين في حالة تبدل وتحول مستمرين، تتحقق التغيرات في مختلف المجالات الرؤيوية والميولية والسلوكية للإنسان بالتدريج في الزمان.

بناءً على هذا فإنّ للتعليم والتربية مراتب مختلفة باختلاف المجالات. قد تكون هذه المراتب بلحاظ الظروف الخاصة للاشخاص، أو المجموعات المختلفة. إلا أن بعض مراتب التعليم والتربية تنشأ من الظروف العادية التي تحصل لجميع الأشخاص حيث يمكن أن يطلق عليها مراحل التعليم والتربية. تظهر ضرورة الدقة في تعيين هذه المراحل والتفكيك بينها من كون أهداف، وبرامج وأساليب التعليم والتربية قد تختلف باختلاف المراحل، والحقيقة بأن عدم التفكيك بين مراحل التعليم والتربية يؤدي إلى:

-أولاً: إلى عدم قدرة المخططين على إظهار ما يتوقعونه بدقة من المناهج والبرامج التربوية بشكل واضح، ودقيق.

-ثانياً: عدم معرفة المربين بكيفية وحدود تحقيق الأهداف، وتحديد الكيفية المناسبة والأساليب المساعدة على إيصالها إلى المتربين.

-ثالثاً: عدم القدرة على تقييم وقياس مدى الوصول إلى الأهداف. من جهة أخرى، فإن بعض استعدادات وقابليات الإنسان تقبل التنمية في بعض الجوانب الخاصة، وسيكون أكثر سهولة وسيحقق نجاحاً، وكذلك فإن الاستعداد الذهني للإنسان على إدراك المواضيع المختلفة يتفاوت بأختلاف مراحل النمو، فإذا لم يتم الاهتمام بمراحل التعليم والتربية، فقد تضيع الفرصة المناسبة لتعليم بعض المواضيع او تنمية بعض الميول والاستعدادات. يجب أن نعلم على سبيل المثال: كيف يتناسب التعليم في مختلف المستويات من العلوم التجريبية والرياضية والفنية مع المقاطع العمرية، في أي مقطع يمكن تنمية روحية الثقة بالذات عند المتربي، وفي أي مرحلة يمكن ان نتوقع منه الاتيان بأعماله انطلاقاً من الإخلاص ولأجل رضا الله تعالى.

إن تعيين مراحل التعليم والتربية كما سنلاحظ، يرتبط بالدراسات التجريبية ومن هنا فإن تحديد هذه المراحل بشكل عام ليس من وظائف فلسفة التعليم والتربية. يبدو ان اسلوب دراسة وتحليل معيار تعيين هذه المراحل، يتم باسلوب عقلي ويمكن اعتباره من جملة ابحاث فلسفة التعليم والتربية. الآن ومن خلال توضيح ما نقصد من "المرحلة" ودراسة معيار تعيين المراحل، سنسعى لتوضيح اسلوب تعيين المراحل ومن ثم توضيح ابعاد هذا البحث الذي يحتاج إلى تحليل واستدلال. تعريف المراحل يُطلق عنوان"مراحل التعليم والتربية" على : مجموعة من الأنشطة التربوية والتعليمية التي يكون لكل شريحة عمرية ووفقًا للزمن التي تمر به خصوصية محدودة، وتقع في طول بعضها البعض من حيث الزمان، ووفقًا لعدة أبعاد (نفسية-روحية، علقية-فكرية، جسدية-جسمية، اجتماعية-بينية) وهي مترتبة على بعضها، وناظرة إلى الظروف والخصائص العادية للمتربين. يترتب على هذا التعريف عدة أمور:

-إن الفروقات بين الأفراد أو بعض المجموعات في نفس المرحلة العمرية خارجة عن التعريف، وله مورد آخر من موارد البحث والدراسة، حيث أنه تبين الفروقات الفردية لنفس المتربين، أو بعض المجموعات أمثال الأذكياء، النخب، المتخلّفين عقلياً، النوابع، فاقدي السمع والبصر، أو التي تُنظم على أساس الظروف الزمانية والمكانية الخاصة والإمكانيات الخارجية، ولا يُطلق عليها عنوان مراحل التعليم والتربية.

-إنّ كون مراحل التعليم والتربية تسلسلية مترابطة، أي طولية تعني أن الدخول إلى مرحلة يقتضي العبور عن المرحلة السابقة، وعلى هذا الأساس، فمن جملة وظائف مخططي المناهج ملاحظة ذلك أثناء تخطيطهم بدقة وعناية عالية، وعلى منفذي برامج التعليم والتربية، تقييم المخاطبين في كيفية العبور عن كل مرحلة، وتحصيل ما يفيد الاطمئنان باكتساب النجاح الضروري في الوصول إلى أهداف تلك المرحلة واحراز الظروف الضرورية للوصول إلى المرحلة اللاحقة.

-لم يتم الأخذ بعين الاعتبار في التعريف المذكور أي شرط لمجموع المراحل في هذه الحالة، وكما أن مجموع الأنشطة التربوية والتعليمية للإنسان في طول حياته، قابلة للقسمة إلى مراحل، كذلك يمكن تقسيم أي برنامج أو خطة تعليمية وتربوية إلى عدة مراحل أيضاً. وقد يُنظر إلى المرحلة بكيفية أكثر تحديدًا، بحيث يطلقون تسمية "المرحلة" على المراحل المتسلسلة للأنشطة التعليمية والتربوية، كوضعها في اطار وجداول زمنية محددة ودقيقة. بحيث تمتد على كل الزمن التربوي والتعليمي للمتربي، لذلك يعملون للمواءمة بين مراحل التعليم والتربية ومراحل النمو.

المصادر: (1). الإمام الخامنئي، التربية والتعليم وفق رؤية الإمام الخامنئي، ترجمعة جمعية المعارف، إصدار مركز الأبحاث والدراسات التربوية، طباعة دار البلاغة، لبنان، بيروت، ت2016، ص36.

(2). م.ن، ص37. (

3). نظرة متجددة في التربية الإسلامية،خسرو باقري، ص216.

(4). فلسفة التعليم والتربية في الإسلام،مجموع مؤلفين بإشراف الشيخ مصباح اليزدي، ج1، ص88.

(5). التعريف المقدم في وثيقة التحوّل التربوي في إيران. الكاتب : الدكتور الشيخ عباس كنعان

’شيعتنا أهل الورع والاجتهاد، وأهل الوفاء والأمانة، وأهل الزهد والعبادة..’ الإمام الصادق ( عليه السلام )
’الخَلْقُ عيال الله، وأحبّ الخلق إلى الله مَن نَفع عيالَ الله، وأدخل على بيتٍ سروراً’ الرّسول الأكرم (ص)

من نحن

موقع ثقافي فكري يعنى بقضايا المرأة والاسرة والمجتمع

تواصل معنا

يسرّنا تواصلكم معنا عبر الايميل alzaakiyaa@gmail.com