المرجعية الفكرية للإمام الرضا عليه السلام

المرجعية الفكرية للإمام الرضا عليه السلام

ساهم الانحراف الأخلاقي للحكام العباسيين وابتعادهم عن المنهج الإسلامي في انتشار الفساد عند الأمة ..

في القرن الثاني الهجري الذي عاش فيه الإمام علي بن موسى الرضا عليهما السلام اتسعت الحركة العلمية، ونشط البحث والتأليف والتدوين وتصنيف العلوم والمعارف، ونشأت المدارس والتيارات الفلسفية والفكرية، وبدأت حركة الترجمة والنقل من اللغات المختلفة، وازدحمت المدارس وحلقات الدرس بالأساتذة والطلاب الذين تناولوا مختلف العلوم. وقد ازدهرت هذه الحركة العلمية بشكل خاص أيام الرشيد والمأمون.

وقد ولد الإمام الرضا عليه السلام أيام أبي جعفر المنصور، وعاصر من خلفاء بني العباس المهدي والهادي والرشيد والأمين والمأمون. وقد كانت هذه الفترة من أغنى فترات الفكر والثقافة الإسلامية، ففيها عاش مؤسسو المذاهب الفقهية، أمثال الشافعي ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة، وفقهاء وأصحاب آراء مختلفة أمثال أبي يوسف القاضي وسفيان الثوري ويحيى بن أكثم، وغيرهم من أصحاب العلوم والمعارف الشرعية والعقلية، كالأصمعي ومحمد بن الهذيل العلاف المعتزلي والنظام إبراهيم المعتزلي. ونشطت مذاهب الفلسفة وعلم الكلام.

وكان الإمام الرضا عليه السلام مفزع العلماء وملجأ أهل الفكر والمعرفة، يُناظر علماء التفسير ويحاور أهل الفلسفة والكلام ويرد على الزنادقة والغلاة، ويُثبت قواعد الشريعة وأصول التوحيد.
وساعدت السلطة العباسية على إيجاد الأفكار والتيارات المنحرفة كادعاء النبوة، وأطلقت الحرية للديانات المحرفة، ولتيارات الغلو والوقف رغبة منهم في إطفاء نور أهل البيت عليهم السلام.

ومن الأمثلة على ذلك انتشار الإفتاء بالرأي والفتاوى التابعة لأهواء الحكام ورغباتهم، وتفسير القرآن بالرأي، ورواج القياس المذموم القائم على الظنون والأهواء، حتى قام أحد الفقهاء المعروفين بتحليل وطء هارون لجارية كان قد وطأها أبوه من قبل، وقال له، يا أمير المؤمنين أوكلما ادعت أمَة شيئاً ينبغي أن تُصدق؟ لا تصدقها فإنها ليست بمأمونة. وحلل له وطء جارية قبل الاستبراء، وقال له: تهبها لبعض ولدك ثم تتزوجها1. كما وأشغل الحكامُ الناس بالجدال والنقاش العقيم، فشجع هارون على القول بِقدَم القرآن، وقام بقتل من يقول خلاف ذلك، وحينما سئل عن رجل مقتول بين يديه أجاب: قتلته لأنه قال، القرآن مخلوق. وتغير الرأي في عهد ابنه عبد الله المأمون، فناقض والده في رأيه، وأشاع القول بخلق القرآن، وقام بسجن وتعذيب أحمد بن حنبل لقوله بِقِدَم القرآن.

 

المرجعية الفكرية للإمام الرضا عليه السلام
شكل الإمام الرضاعليه السلام في مقابل المحاولات العباسية مرجعيةً فكرية ودينية للأمة. وأصبح محط أنظار الفقهاء، ومهوى أفئدة طلاب العلم.
وكان عليه السلام يقول: "كنت أجلس في الروضة، والعلماء بالمدينة متوافرون، فإذا أعيى الواحد منهم عن مسألة أشاروا علي بأجمعهم، وبعثوا إلي بالمسائل فأجبت عنها"

وكشف عليه السلام وسائل التآمر الفكري التي تؤدي إلى بلبلة عقول المسلمين، وأعطى قاعدة كلية في الأساليب والممارسات التي يستخدمها أعداء أهل البيت عليهم السلاملتشويه المفاهيم الإسلامية، فقال عليه السلام: "إن مخالفينا وضعوا أخباراً في فضائلنا وجعلوها على ثلاثة أقسام:

أحدها: الغلو، وثانيها: التقصير في أمرنا، وثالثها: التصريح بمثالب أعدائنا. فإذا سمع الناس الغلو فينا كفروا شيعتنا، ونسبوهم إلى القول بربوبيتنا، وإذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا، وإذا سمعوا مثالب أعدائنا بأسمائهم، ثلبونا بأسمائنا"

ولذا وضح الإمام عليه السلام أن جميع الأفكار المنحرفة هي من وضع المخالفين لأهل البيت عليهم السلام لتشويه سمعتهم، وتحجيم دورهم في إصلاح الأوضاع على النهج الإسلامي الصحيح.
كما قام عليه السلام بخطوات عملية للرد على جميع ألوان الانحراف الفكري والتشريعي من أجل كسر الإلفة والأنس بين أتباعها وبينها، ورد على أفكار المشبهة والمجسمة والمجبرة والمفوضة، وفند أفكار الغلاة والزنادقة، وعقائد اليهود والنصارى، ورد على أصحاب القياس، وعلى الإفتاء والتفسير بالرأي.

الوضع الأخلاقي في عصر الإمام الرضا عليه السلام


ساهم الانحراف الأخلاقي للحكام العباسيين وابتعادهم عن المنهج الإسلامي في انتشار الفساد عند الأمة، ومن مظاهر هذا الانحراف:
1. اللهو واللعب: كان هارون الرشيد أول حاكم لعب الشطرنج، ورمى النشاب. وكان يُجري سباق الخيل. ولما وصل ابنه محمد الأمين إلى قمة السلطة أمر ببناء مجالس لمنتزهاته، ومواضع خلواته ولهوه ولعبه وأنفق في بنائها أموالاً عظيمة، وتابع المأمون أباه وأخاه في اللهو واللعب.

2. الولع بالغناء وبالجواري: لم يكترث الحكام لما تتعرض له الدولة والأمة من مخاطر ومؤامرات، ولم يكن من همهم تحصين الإسلام، فكان هارون من المولعين بالغناء حتى جعل المغنين مراتب وطبقات. وفي الوقت الذي كان يموت فيه آلاف الجنود لم يكن يكترث لذلك، ولا يؤلمه كثرة القتلى والمعوقين بل يؤلمه موت جارية من جواريه، فيرثيها بأبيات شعرية. وكان الأمين يأمر بفرش ساحة مفتوحة بأفخر الفراش، وتهيئة أوانٍ من الذهب والفضة مع الجواهر، ثم يأمر قَيمة جواريه بأن تُهيى‏ء له مائة جارية، يصعدن إليه عشراً عشراً بأيديهن العيدان، يغنين بصوت واحد

3. شرب الخمر: استطاع الحكام العباسيون الحصول على فقهاء يبررون لهم سماع الغناء والولع بالجواري. ولكن من أين لهؤلاء الفقهاء أن يُفتوا بحلية شرب الخمر
الذي تُعتبر حرمته من الثوابت في الشريعة؟ وعلى الرغم من ذلك نجد هؤلاء الحكام يجاهرون علناً بهذه المعصية ويشربون الخمر، فكان هارون مدمناً على شرب الخمر وكان يتولى بنفسه سقاية ندمائه6. وهكذا كان ولداه الأمين والمأمون.

4. الانحرافات في مجالس الحكام‏: لم يكن غريباً على الحكام العباسيين الذين تولوا الحكم دون سابقة علم وتقوى، ودون مؤهلات فكرية وخُلقية أن يتعدوا حدود الله تعالى، ويرتكبوا المحرمات في مجالسهم، فقد كان هارون يستمع إلى ألفاظ الفحش، بل يضحك تشجيعاً لقائلها، وفي مجلسه كانت تمارس أمور مصحوبة بالألفاظ البذيئة. ولم يكتفِ بذلك وإنما كان يهب لمرتكبيها مالاً من بيت مال المسلمين. وأما ابنه الأمين فهو - كما يصفه ابن الأثير: لم نجد في سيرته ما يُستحسن ذكره، من حلم أو معدلة أو تجربة، حتى نذكرها
وفي مجالس المأمون كان يكثُر الغزل المباشر.

5. الممارسات المنحرفة لأتباع الحكام‏: كان المقربون للحكام والولاة في بغداد والكرخ يُظهرون الفسق، ويختطفون الغلمان والنساء علانية من الطرق. وكان الطبري بعد ذكره لمثل هذه الممارسات يقول: "لا سلطان يمنعهم، ولا يقدر على ذلك منهم، لأن السلطان كان يعتز بهم وكانوا بطانته".

وهذا الانحراف لم ينحصر في البلاط الحاكم، وإنما امتد إلى جميع من يرتبط بالبلاط، وانعكس أثره على الأمة لوجود المقتضي وهو تشجيع الحكام للانحراف.

* شبكة جمعية المعارف الاسلامية الثقافية 

’شيعتنا أهل الورع والاجتهاد، وأهل الوفاء والأمانة، وأهل الزهد والعبادة..’ الإمام الصادق ( عليه السلام )
’الخَلْقُ عيال الله، وأحبّ الخلق إلى الله مَن نَفع عيالَ الله، وأدخل على بيتٍ سروراً’ الرّسول الأكرم (ص)

من نحن

موقع ثقافي فكري يعنى بقضايا المرأة والاسرة والمجتمع

تواصل معنا

يسرّنا تواصلكم معنا عبر الايميل alzaakiyaa@gmail.com