الاضحى المبارك

الاضحى المبارك

ليكن من دعائك توفيق الفوز بمراضي الله جلّ جلاله في موقف عيدك فإنّه من المواقف الخطيرة التي ينبغي أن يذكر طول السنة

 

جاء في كتاب المراقبات :

وأمّا ليلة العيد روي عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام : «أنّ علياً عليه الصلاة والسلام كان يعجبه أن يفرّغ نفسه أربع ليال في السنة وهي أوّل ليلة من رجب ، وليلة النصف من شعبان ، وليلة الفطر ، وليلة الأضحى». يمكن أن يكون المراد تفريغ النفس لعبادتها بإحيائها ، بل هو الظاهر بقرينة أخواتها ، والمراد من الإحياء تفريغ النفس والقلب والجوارح لخدمة الله جلّ جلاله بأن يكون قلبه مشغولاً بذكر الله وبدنه وقفاً لطاعة الله وعبادته ، ولا يغفل في شيء من ليلته بغير الله ، حتّى بالمباحات إلا لله وبالله ، وهذا أوّل درجة المراقبة .  

ويستحبّ فيها وفي يومها زيارة الحسين عليه السلام لما روي عن الصادق عليه السلام : «أنّه من زار الحسين عليه السلام ليلة من ثلاث غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر» ، قال الراوي : أيّ الليالي فذكر ليلة الأضحى . وليكن من دعائك توفيق الفوز بمراضي الله جلّ جلاله في موقف عيدك فإنّه من المواقف الخطيرة التي ينبغي أن يذكر طول السنة . وأمّا يوم العيد كما أشير إليه في عيد الفطر من مواسم نداء الله ـ جلّ سلطانه وعظمت آلاؤه ـ عبيده وإماءه بالإذن العامّ ، والفيض الخاصّ ، لمغفرة الذنوب ، وعلاج العيوب ، وإنجاح المسؤول ، والفوز بالمأمول ، وإعطاء الخلع والجوائز ، وأمان الأخطار عند الهزاهز .  

فاغتنم يا مسكين إقبال ملك الملوك تعالى عليك بوجهه الكريم ، وذكره لك قبل وجودك بجعل هذا العيد العظيم ، وتفكّر بما فعل بك من الكرم والإحسان ، والعطف والحنان ، وذكرك بالعطاء والجود ، قبل أن تكون شيئاً مذكوراً ، فإنّه خلق أسباب قوّتك وقدرتك ، قبل وجودك ووجود ضعفك ، وهيّأ لك أصول نعمه قبل أن تكون قابلاً للتنعّم ، وبعث لهدايتك من أوليائه وأعزّته قبل أن يوجد آباؤك وأمرهم أن يدبّروا أمر هدايتك وتربيتك ، بسفك المهج وخوض اللجج ، والقتال مع الكفّار ، وإبادة الفجّار ، حتّى يسلم عليك دينك ، وتتفرّغ لعبادة ربك وتحصّل معرفة مولاك ، وتفوز بخدمة ربّ العباد ، إلى سلطنة يوم المعاد والنعم الباقية أبد الآباد .  

فانظر كم من نبيّ كريم قد قتل في ترويج الدين ؟ وكم من وليّ لله ذبح في تشييد الإسلام المتين ؟ وكم من حريم قد هتكت ، وأموال قد نهبت ، وكريمات قد سبيت ؟ حتّى ظهر دين الله ، وعلت كلمة الله ، وأنت ولدت في زمان كفيت من هذه المجاهدات ، والمناقشات والمناقضات ، وأعلام الدين شاهرة ، ومبانيه ظاهرة ، وأركانه قائمة ، في هدنة وراحة ، وعزّة ونعمة ،ووفّقت لاقتناء المعارف بأسباب قويّة كثيرة شائعة ، وهديت بأنوار ظاهرة باهرة ، وقد ألّف السلف كتباً في تفاصيل كيفيّة العلم والعمل ، وبلغك ذلك من دون أن تعمل فيه فكراً ، أو تقاسي جوعاً ، أو تكابد سهراً أو ترى طعناً ، أو تسمع هجراً ، والسابقون الأوّلون قد ابتلوا من ذلك بأشدّها للنفس وأفجعها للقلب .  

وأنصف يا عاقل لو توانيت أنت بعد تهيّؤ هذه الأسباب ، من غير مقاساة وتعب ، وشدّة ونصب ، ماذا تستحقّ أن يفعل بك ، أو يقال لك ؟ وأيّ نعم فاخرة من نعم الله قد ضيّعتها ، وأيّ تجارات رابحة قد خسرتها ، واذكر يوماً يكشف لك عن حقائق هذه الأحوال الخاسرة ، والأعمال الكاسرة الحاسرة ، ورأيت ما بدّلتها من النعمة والكرامة ، بالخزي والمهانة ، تقطّع قلبك بالحسرات ، ودعوت بالعويل والزفرات .  

فارحم نفسك في وقت المهلة ، ولا تفوّت عليك الفرصة ، واستعدّ لغد في أمسك ، وابك على نفسك واستمسك بعروة هذا الموسم الجليل ، والمقام الجميل ، فإنّك مدعوٌّ لموائد ضيافة الله ، في محلّ كرامة الله ، مع القوم الأطهار ، أولياء الملك الجبّار ، وإن ساعدك التوفيق ، بإتيان أدب هذا المجلس الشريف ، والمنزل اللطيف ؛ فزت بالكرامة العظمى والسعادة العليا ، والدرجة القصوى . فراقب بدخول يوم العيد جميع ما يرضى به ربّك ، ويعطف عليك مولاك ، وكن كعبد متملّق لمالكه ، كيف يجدُّ أن يُنشئ خدمة لمولاه ، وهو مالكه في بعض وجوه الطاعة ، والله تعالى مالك وجودك ، ومالك دنياك وآخرتك ، ومحياك ومماتك ، لا تجوز الغفلة عن هذا الربّ الودود ، والملك العطوف ، والغافل في خطر المنع .

واستحيي مع فقرك وغناه ، وذلّك وعزّته ، أن تكون معرضاً عنه حين إقباله عليك بوجهه الكريم ، وتكون في موائد ضيافته مع حضوره وإنعامه عليك مشغولاً عن ذكره بذكر عدوّه ، ومشغوفاً بحبّ من يبعّدك عن محبّته وجواره ، فيالله من هذا الخطب الجسيم ، والجهل العظيم ، والعقل السقيم ، وما يورثه من العذاب الأليم وقد بعث إلى دعوتك لهذه الضيافة سيّد خلقه ، وأعزّ مخلوقه عليه . وإن عقلت مكان هذا اللطف الجليل ، والتشريف والتجليل ، لفديت بروحك لمقدم هذا الداعي العظيم ، والرسول الكريم ، الذي «عَزيزٌ عَليهِ ما عنتّم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم» (التوبة : 128) . واعقل أنّه تعالى قد خصّ بأنوار هذا العبد العزيز هذه الأمّة من بين سائر الأمم هل لهذا التخصيص حقٌّ واجب عند ذوي الألباب ، فاشكره بما يليق ، لاختصاص هذه النعمة ، وعطاء هذه الكرامة .

المصدر : من كتاب المراقبات للحاج الميرزا جواد آغا الملكي التبريزي (رضوان الله عليه)

عن الامام الباقر عليه السلام ’ثلاثة من مكارم الدنيا والآخرة: أن تعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك، وتحلم إذا جُهل عليك ’.
قال الإمام الكاظم (عليه السلام): عونك للضعيف من أفضل الصدقة.

من نحن

موقع ثقافي فكري يعنى بقضايا المرأة والاسرة والمجتمع

تواصل معنا

يسرّنا تواصلكم معنا عبر الايميل alzaakiyaa@gmail.com