الحج

الحج

الحج أعظم أركان الدين، وعمدة ما يقرّب العبد إلى رب العالمين، وهو أهم التكاليف الإلهية وأثقلها، وأصعب العبادات البدنية وأفضلها، وما أعظمها من عبادة ينعدم بفقدها الدين.

الحج أعظم أركان الدين، وعمدة ما يقرّب العبد إلى رب العالمين، وهو أهم التكاليف الإلهية وأثقلها، وأصعب العبادات البدنية وأفضلها، وما أعظمها من عبادة ينعدم بفقدها الدين، وتاركها  لفي خسران مبين. والأحاديث الشريفة التي وردت في فضيلة الحج وفي ذم تاركه كثيرة، فلنشر إلى الأسرار الخفية، والأعمال الدقيقة، والآداب الباطنة، التي يبحث عنها أرباب القلوب عند كل مشعر:

الميقات :

إذا خرج الحاج عن وطنه، ودخل إلى البادية، متوجها إلى الميقات، وشاهد العقبات، فليتذكر فيها ما بين الخروج من الدنيا بالموت إلى ميقات يوم القيامة، وما بينهما من الأهوال والمطالبات، وليتذكر من إفراده عن أهله وأقاربه وحشة القبر ووحدته وكربته. فإذا دخل الميقات، ولبس ثوبىّ الإحرام، فليتذكر عند لبسهما لبس الكفن ولفه فيه، وانه سيلقى الله ملفوفا في ثياب الكفن لا محالة، فكما لا يلقى بيت الله إلا بهيئة وزي يخالف عادته، فكذلك لا يلقى الله بعد الموت إلا في زي يخالف زي الدنيا، وهذا الثوب قريب من ذلك الثوب. إذ أنه ليس مخيطاً، كما أن الكفن أيضا ليس مخيطاً. وإذا أحرم وتلبّى، فليعلم أن الإحرام والتلبية إجابة نداء الله، فليرجُ أن يكون مقبولاً، وليخشَ أن يكون مردوداً، فيُقال: لا لبيك ولا سعديك! فليكن بين الخوف والرجاء متردداً، وعن حوله وقوته مدبراً، وعلى فضل الله وكرمه متكلاً. فان وقت التلبية هو بداية الأمر، وهو محل الخطر. وقد روي: " أن علي بن الحسين-عليهما السلام-لما أحرم، واستوت به راحلته، اصفر لونه وانتفض، ووقعت عليه الرعدة، ولم يستطع أن يلبى. فقيل له: لم لا تلبى؟ فقال: أخشى أن يقول ربي: لا لبيك ولا سعديك! فلما لبى غشي عليه وسقط من راحلته، فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجه‏" . وليتذكر المُلبّي عند رفع الأصوات في الميقات خائفاً راجياً، إنه إجابة لنداء الله تعالى، إذ قال تعالى: "وأذّن في الناس بالحج ‏يأتوك رجالا" ويتذكر من هذا النداء نداء الخلق بنفخ الصور، وحشرهم من القبور، وازدحامهم في عرصات القيامة لنداء الله، منقسمين إلى مقربين ومبعدين، ومقبولين ومردودين، ومردودين فى أول الأمر بين الخوف والرجاء، مثل تردد الحاج في الميقات، حيث لا يدرون أيتيسر لهم إتمام الحج وقبوله أم لا. عند دخول مكة ينبغى أن يتذكر الحاج عند دخول مكة: أنه قد انتهى إلى حرم من دخله كان آمنا، وليرجُ عنده أن يأمن بدخوله من عقاب الله، وليضطرب قلبه من ألا يكون أهلاً للقرب والقبول، فيكون بدخول الحرم خائباً مستحقا للمقت، وليكن رجاؤه في جميع الأوقات غالباً، إذ شرف البيت عظيم، ورب البيت كريم، والرحمة واسعة، والفيوضات نازلة، وحق الزائر منظور، واللائذ المستجير غير مردود. وإذا وقع البصر على البيت، فليحضر في قلبه عظمته، وليرجُ الله أن يرزقه لقاءه كما رزقه لقاء بيته، وليشكر الله على تبليغه إياه إلى بيته، وإلحاقه إياه بزمرة الوافدين إليه، ويتذكر عند ذلك ايصاب الخلائق إلى جهة الجنة آملين لدخولها كافة، ثم انقسامهم إلى مأذونين في الدخول ومصروفين عنها، انقسام الحاج إلى مقبولين ومردودين.

عند الطواف  :

و ينبغى عند الطواف أن يمتلئ قلبه من التعظيم والمحبة والخوف والرجاء، ويعلم أنه في الطواف متشبه بالملائكة المقربين الطائفين حول العرش، وليعلم أن المقصود طواف قلبه بذكر رب البيت، دون مجرد طواف جسمه بالبيت. فحقيقة الطواف هو طواف القلب بحضرة الربوبية، والبيت مثال ظاهر في عالم الشهادة لتلك الحضرة التى لا تشاهد بالبصر. وما ورد من أن البيت المعمور في السماوات بازاء الكعبة، وان طواف الملائكة بها كطواف الأنس بهذا البيت، ربما كان إشارة إلى ما ذكرناه من المماثلة.. عند الحجر الأسود ينبغي ان يتذكر عند استلام الحجر الأسود، أنه بمنزلة يمين الله في أرضه، وفيه مواثيق العباد. قال رسول الله (ص) : "استلموا الركن، فإنه يمين الله في خلقه، يصافح بها خلقه مصافحة العبد أو الدخيل، ويشهد لمن استلمه بالموافاة‏" ، ومراده(ص) بالركن: الحجر الأسود، لأنه موضوع فيه، وإنما شبه باليمين، لأنه واسطة بين الله وبين عباده في النيل والوصول والتحبب والرضا، كاليمين حين التصافح. وقال الصادق (ع) : "إن الله تبارك وتعالى لما اخذ مواثيق العباد، أمر الحجر فألقمها، فلذلك يقال: أمانتي أديتها، وميثاقي عاهدته، لتشهد لى بالموافاة‏" . وقال (ع) : "الركن اليماني باب من أبواب الجنة، لم يغلقه الله منذ فتحه‏" . وقال (ع) : "الركن اليماني بابنا الذي يدخل منه الجنة، وفيه نهر من الجنة تلقى فيه أعمال العباد" ، قيل: إنما شبه بباب الجنة، لأن استلامه وسيلة إلى وصولها، وبالنهر، لأنه تغسل به الذنوب. ثم لتكن النية في الاستلام والالتصاق بالمستجار، بل الممارسة لكل جزء من البيت، طلب القرب حبا وشوقا للبيت ولرب البيت، وتمسكا وتبركا بالممارسة، ورجاء للتحصن عن النار في كل جزء ، ولتكن نيته في التعلق بأستار البيت الإلحاح في طلب المغفرة وسؤال الأمان، كالمقصر المتعلق بثياب من قصر في حقه، المتضرع إليه في عفوه عنه، المظهر له أنه لا ملجأ منه إلا إليه، ولا مفزع إلا عفوه وكرمه، وانه لا يفارقه حتى يعفوعنه، ويعطيه الأمان في المستقبل.

في السعي  :

السعي بين الصفا والمروة فى فناء البيت، يضاهي تردد العبد بفناء دار الملك، جائيا وذاهبا مرة بعد أخرى، إظهارا للخلوص في الخدمة، ورجاء للملاحظة بعين الرحمة، كالذي دخل على الملك وخرج، وهو لا يدري ما الذي يقضي به الملك في حقه من قبول أو رد، فلا يزال يتردد على فناء الدار مرة بعد أخرى، يرجو أن يرحمه في الثانية إن لم يرحمه في الأولى، وليتذكر عند تردده التردد بين الكفتين، ناظرا إلى الرجحان والنقصان، مرددا بين العذاب والغفران. عند الوقوف بعرفات وأما الوقوف بعرفات، فليتذكر بما يرى من ازدحام الخلق، وارتفاع الأصوات، واختلاف اللغات، واتباع الفرق أئمتهم في التردد على المشاعر: عرصات يوم القيامة وأهوالها، وانتشار الخلائق فيها حيارى، واجتماع الأمم مع الأنبياء والأئمة، واقتفاء كل أمة نبيهم، وطمعهم في شفاعته لهم، وتحيرهم في ذلك الصعيد الواحد بين الرد والقبول. وإذا تذكر ذلك، فليتضرع إلى الله تعالى ويبتهل إليه، ليقبل حجة ويحشره في زمرة الفائزين المرحومين. وينبغي أن يحقق رجاءه، إذ اليوم شريف والموقف عظيم، والنفوس من أقطار الأرض فيه مجتمعة، والقلوب إلى الله سبحانه منقطعة، والهمم على الدعاء والسؤال متظاهرة، وبواطن العباد على التضرع والابتهال متعاونة، وأيديهم إلى حضرة الربوبية مرتفعة، وأبصارهم إلى باب فيضه شاخصة، وأعناقهم إلى عظيم لطفه وبره ممتدة، ولا يمكن أن يخلو الموقف عن الأخيار والصالحين، بل الظاهر حضور طبقات الأبدال وأوتاد الأرض فيه، فلا تستبعدون أن تصل الرحمة من ذي الجلال بواسطة القلوب العزيزة والنفوس القادسة الشريفة إلى كافة الخليقة، ولا تظنن أنه يخيب آمال الجميع، ويضيع سعيهم، ولا يرحم غربتهم وانقطاعهم عن الأهل والأوطان، فإن بحر الرحمة أوسع من أن يظن به في مثل هذه الحالة، ولذا ورد: أنه من أعظم الذنوب أن يحضر عرفات ويظن أن الله لم يغفر له.

عند المشعر  :

وإذا فاض من عرفات ودخل المشعر، فليتذكر عند دخوله فيه: أن الله سبحانه قد أذن له في دخول حرمه بعد أن كان خارجا عنه، إذ المشعر من جملة الحرم، وعرفات خارجة عنه، فليتفاءل من دخول الحرم، بعد خروجه عنه، بأن الله سبحانه قرّبه إليه، وأجاره وآمنه من العذاب والبعد، وجعله من أهل الجنة والقرب.

عند الرمي والذبح :

وإذا ورد منى، وتوجه إلى رمي الجمار، فليقصد به الانقياد والامتثال، إظهارا للرق والعبودية، وتشبيها بالخليل الجليل (ع) ، حيث عرض له إبليس اللعين في هذا الموضع ليفسد حجه، فأمره الله تعالى أن يرميه بالحجارة طردا له وقطعا لأصله. وينبغي أن يقصد أنه يرمى الحصا إلى وجه الشيطان ويقصم به ظهره، ويرغم به أنفه، إذ امتثال أمر الله تعالى تعظيماً له يقصم ظهر اللعين ويرغم انفه. وإذا ذبح الهدي، فليستحضر أن الذبح إشارة إلى أنه بسبب الحج قد غلب على الشيطان والنفس الأمارة وقتلهما، وبذلك استحق الرحمة والغفران، ولذا ورد: انه يعتق بكل جزء من الهدي جزء منه في النار. فليجتهد في التوبة والرجوع عما كان عليه قبل ذلك من الأعمال القبيحة، حتى يصير حاله أحسن من سابقه، ليصدق عليه إذلاله الشيطان والنفس الأمارة في الجملة، ولا يكون في عمله من الكاذبين. ولذلك ورد: إن علامة قبول الحج: أن يصير حاله بعد الحج أحسن مما كان عليه قبله. وفي الخبر: إن علامة قبول الحج ترك ما كان عليه من المعاصي، وأن يستبدل بإخوانه البطالين إخواناً صالحين، وبمجالس اللهو .

المصدر:جامع السعادات، المؤلف: الشيخ الجليل، أحد أعلام المجتهدين، المولى محمد مهدي النراقي (قدس سره)

عن الامام الباقر عليه السلام ’ثلاثة من مكارم الدنيا والآخرة: أن تعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك، وتحلم إذا جُهل عليك ’.
قال الإمام الكاظم (عليه السلام): عونك للضعيف من أفضل الصدقة.

من نحن

موقع ثقافي فكري يعنى بقضايا المرأة والاسرة والمجتمع

تواصل معنا

يسرّنا تواصلكم معنا عبر الايميل alzaakiyaa@gmail.com