الزكية

في رحاب سيدات نساء العالمين آسيا بنت مزاحم

في رحاب سيدات نساء العالمين آسيا بنت مزاحم

قال تعالى في كتابه الكريم: «وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين» (التحريم 11).

بقلم الحاجة عفاف الحكيم

قال تعالى في كتابه الكريم: «وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين» (التحريم 11). بهذا الإيجاز القرآني البديع يلخص الخالق سبحانه جهاد امرأة، فيجعل نهوضها مثالا لأبناء الأمة التي كتب لها أن تكون القائدة في الأرض. ولا شك أن حين تصطفي الرسالة، لقطات معينة من تاريخ المجاهدات والمجاهدين عبر التاريخ البشري العريض، فإنها تهدف من خلال ذلك إلى عدة أمور: أولا: بثّ الحيوية وروح المبادرة في كيان المؤمنين ككل. ثانيا: إعطاء قوة دفع للمفاهيم العامة كي تتحرك عمليا في مواقع الصراع. ثالثا: تبيان أن السيرة الذاتية لأي فرد ليست لها ي قيمة في حساب الرسالة إلا بمقدار ما ترتبط بالرسالة ذاتها. ومن هنا كان تركيز النص القرآني على جوهر الدور –كما نلاحظ- عبر اختصار مجمل يبرز عظمة الموقف وقدرات الطاقة البشرية المؤهلة. إنها امرأة فرعون، لم يذكر لها القرآن إسماً، وإنما اكتفى بإلقاء الضوء، تاركا نساء اأمة أمام المثل المنتزع من بينهن، والذي تحرك ونهض من أعسر موقع. وقصة "آسيا بنت مزاحم" كما روتها كتب التفسير بالغة التأثير لما حوته من القسوة واعنف، إذ جاء ما مضمونه: "بأن زوجة فرعون "آسيا" لما عاينت المعجزة في عصا موسى وغلبته السحرة أسلمت. فلما ظهر لفرعون إيمانها، نهاها فأبت، فأوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها في الشمس، ثم امر أن يلقى عليها صخرة عظيمة، فلمّا قرب أجلها توجهت إلى الله سبحانه تؤكد رجاءها فيما تصبو إليه نفسها.."(1). هذا مجمل ما نود تفصيله حول هذه اشخصية الإيمانية اكبيرة، التي لم تستوحش طريق الحق في ذلك العصر مع ندرة سالكيه. فقد آمنت وحدها في تلك المملكة، ووحدها وقفت تواجه أعاصير الكفر الطاغي مجتازة طوفان المغريات من حولها، ولا سلاح يعينها على هذا كله سوى سلاح الإيمان، فإذا هي ثابتة مطمئنة قوية، وإذا القوى الباغية بكل أدواتها ضئيلة وباهتة أمام موقفها الرائد الذي ذهب مثلا في حياة المؤمنين، بعد أن كرسه النص الإلهي كتعبير عن قوة الإرادة، وتفوقها على قوة الظالمين. موقع آسيا: إن المرأة التي استحقت أن يضرب بها القرآن الكريم مثلا، لتكون نموذجا تتطلع إليه كل امرأة مؤمنة في الأرض، كانت م حيث مباهج الحياة الدنيا وزخرفها في موقع يمثل القمة في دنيا الناس: فهي زوجة فرعون أعظم ملوك اأرض في عصرها قوةً وثراءً، ومع ذلك لم تدع رفاهية الملك ومتطلباته تشغلها عن نشدان الحق ومتابعة مسيرته. فحين ظهر نبي الله موسى(ع)، وبلغت مسامعها أصداء الحدث الخطير الذي زلزل مملكة زوجها وعصف بأركانها، لم تندفع آسيا اندفاعا غوغائيا باتجاه تأييد الزوج ومساندته –كعادة معظم النساء- وإنما نهضت لتصغي بعقلها وقلبه للحقيقة، ثم راحت بصبر الباحث عن الحق تتابع الأمور المستجدة عن كثب، إلى أن وجدت نفسها تلقائيا تبتعد عن شواغلها الخاصة لتعيش في خضم الصراع الذي سرعان ما تفاقم وأشاع في القصر أي فوضى وأي اضطراب.. وقع المعجزة: مع وصول الأمور إلى ذروتها، شهدت آسيا المعجزة مع من شهدها –كما جاء في الروايات- وشهدت إلى هذا، السخرية التي واجه بها زوجها دلائل النبوة القاطعة، وحيث أدى به انفعاله إلى جمع السحرة بنبي الله موسى(ع)، فكان أن اندفعوا إلى الساحة يحدوهم الغرور، فألقوا ما بأيديهم محدثين حالة من الإنبهار بين الناس، تقدم عللى أثرها نبي الله لتبديل الإلتباس ورفع الغشاوة عن الأبصار، فألقى عصاه، فإذا بها تلقف كل جهود السحرة، وما توصلوا إليه من علوم وفنون. "آسيا" التي كانت ترقب ما يجري أحست في تلك اللحظات وكأن أشعة من النور اخترقت أعماقها، وأزاحت ثقلا كان يجثم على قلبها كما شعرت بسعادة غامرة وهي تلحظ بريق الإيمان في عيون السحرة وترى التسليم والتحول العظيم الذي طرأ على مشاعرهم، إلى أن كان ما كان... «وألقى السحرة ساجدين، قالوا آمنا برب العالمين، رب موسى وهارون» (الأعراف 120-122). وأطرقت آسيا خاشعة بعد أن أخذت بجلال اموقف وروعته، لكنها ما لبثت أن انكفأت مقبوضة القلب، وهي ترى زوجها فرعون مستمر في غيه، وقد أخذته عزة الإثم بالملك، فمضى يهدد من أحبطوا جهوده ويتوعدهم بألوان العذاب، كعادة كل طاغية من طغاة الأرض. «قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر، فلأقطعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنّكم في جذوع النخل، ولتعلمنّ أيّنا أشدّ عذابا وأبقى»(طه71). وتتألم الزوجة الواعية، وهي ترى استعلاء زوجها محصورا بالقوة العمياء ثم ترى في المقابل، تلك النخبة المؤمنة على أشد ما يكون من الصلابة والمضاء. تتأملهم وهم يواجهون فرعون بإيمان واثق مطمئن، ويقين ثابت لا يتزعزع، غير عابثين ببطشه وجبروته، فتكبر فيهم عزة المؤمن التي جعلتهم يهزأون بالملك الذي كانوا للحظات يتهيبون المثول أمامه، يعتبرون التقرب منه حظ عظيم، تكبر فيهم لجؤهم الحاسم إلى الله سبحانه، وهتافهم إليه «ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين» (الأعراف 126). ومن ثم تشرق أساريرها وهي تراهم يتقدمون بقرارهم الحاسم، قرار التسليم لله وحده: «قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا• إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى» (طه72-73). لكن الملك المستبد يمضي في غيه وعناده، ليصرخ فيمن حوله: «يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري، فأوقد لي يا هامان على الطين، فاجعل لي صرحا لعلّي أطلع إلى إله موسى، وإني لأظنه من الكاذبين» (القصص38). إيمانها: آسيا كانت من جهة تراقب هذا التخبط، ومن جهة ثانية تتأمل جموع المستضعفين الأذلاء الذين زكنوا للظلم بعد أن ألفوا التنكيل وهم لا يتحركون... تراهم وقد تبلد إحساسهم، وخمد فيهم الوعي والتفكير، فلم تهتز مشاعرهم للمعجزة التي رأوها، ولم يأبهوا لسياط فرعون التي استباحت اجسادهم وعقولهم، وإنما واجهوه بالامبالاة، ومضوا يؤكدون ولاءهم التام للملك المستبد. - تراقب موجة التشويش والتضليل، كيف أخذت تشق طريقها عبر اختلاق الأكاذيب، والتي راح الملأ يلقفونها ويروجونها مصورين الأمر للبسطاء بأنه محاولة لانتزاع سلطانهم من قبل موسى(ع). «قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى »(طه63) –اشارة إلى موسى وهارون-. - تراقب موجة التزلف إلى الملك من قبل فئة أخرى، من الذين اندفعوا للمحافظة على الإمتيازات الممنوحة لهم. «قال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك» (الأعراف 127). وبهذا اتضحت الأمور لآسيا، وتبين لها مدى إصرار فرعون وزمرته على باطلهم للتضييق على نبي الله.. عرفت بأن الصراع القائم هو بين خط الطغاة الذي يشد الناس عبر القهر والجهل إلى الظلمات، وبين خط الأنبياء اذي يسعى عبر العقل والوعي أن يأخذ بأيديهم إلى النور. وبهذا القدر كانت عوامل القرار الحاسم قد استكملت، فكان أن نهضت آسيا لتكسر حاجز الخوف، وتتخذ موقفا من الملك العظيم الذي هو زوجها، وملكه ومملكته، وتضرب للجموع المستضعفة مثلا في كيفية نصرة الحق والخروج على طاعة المستبدين. جموع خرجت من بينهم امرأة لتكون لهم مثلا في النهوض الواعي، بعد أن عاينت المعجزة التي عاينوها. امرأة لم يعزّ عليها –ككثير من النساء- أن تتخلى سريعا عن كل ما كانت تنعم به من ترف وراحة. ويعلم زوجها الطاغية، الذي جعله موقف السحرة يفقد صوابه، بإيمانها فيشتد غيظه وينهاها زاجرا ومؤنبا، فأبت إباء المطمئن، ومضت عبر المواجهة الصريحة تحاوره بشجاعة دون حرج أو تهيب. إنها معه، حين يكون الحق مبتغاه، أما وقد جعل الباطل غايته، فإن طريق الهدى هو طريقها. جهاد ومطالب: وتستعد المجاهدة لجولة أخرى من التحدي، تستعد لاحتمال العذاب لكن بتصميم على المواجهة عظيم. وتقف آسيا مرفوعة الرأس، ثابتة الجنان، لتسجل وحدها وبمفردها جولة للحق على الباطل، والإيمان على الطغيان، فتستقبل التهديد والوعيد بقلب المؤمن المتعلق بربه، المستهين بالحياة الدنيا وما فيها، ثم تمضي لتتقدم للجلادين الذين أحاطوا بها، بخطوات ملؤها الإعتزز والثقة، تمشي لتستبدل رغد العيش بمعاناة المجاهدين، في الوقت الذي كان فيه الناس –رجال ونساء- يؤدون ضريبة الذل لزوجها الضّال المضلّ... وهكذا طوت "آسيا" بقرارها الواعي عظمة الملك، ومهابة الطاغية ومغريات عزّ نظيرها في الأرض، وفوق هذا الركام ارتفعت، وراحت شخصيتها تتوضح وتسمو، فنلمحها بعد فترة الأمن تلك تواجه أشرس ألوان التنكيل والإضطهاد، فإذا هي تجلد بيد من كانوا يتلقون أوامرها، يتفانون لتحقيق رغباتها، وإنه في هذه اللحظات القاسية يسجل لنا تعالى ما كان يدور في ذهنها، فيطلعنا على المطالب التي رفعتها عبر دعاء صغير جعلته شاملا لكل أشواقها وأمنياتها وهمومها «ربّ ابنِ لي عندك بيتا في الجنة، ونجني م فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين». هذا هو الرجاء، وهذه هي الأمنية الوحيدة التي توجهت بها إلى الله، ومتى؟ حين وضعوا على صدرها الصخرة الكبيرة، التي أريد لها أن ترضخ تحتها... دروس وعبر: لو حاولنا الوقوف أمام شخصية آسيا للتدقيق في معالم الدور الذي نهضت به لوجدنا: أولا: إنّ مباهج الحياة الدنيا لم تثنِ هذه المرأة، ولم تشغلها عن متابعة ما يجري حولها من قضايا وأمور عامة، وهي مع متابعتها، لم تدع مجالا لأي رغبة أو عاطفة بأن تطغى على ميدان العقل أو تميل به، وهذا السبيل مكنها من الوصول إلى الرأي الراجح والقرار الواعي. ثانيا: بمجرد أن تحول قلبها من الكفر إلى الإيمان، تحول ملك فرعون الضّال وزخارفه وكل المباهج والمغريات في قصره إلى قيد تريد الفرار منه، بحيث جعلها إيمانها العظيم، تتخلى مختارة عن قصور عالم الشهادة المعاش وتؤثر عليها بيتا في الجنة، أي في عالم الغيب. ثالثا: تحصيل رضا الله عندها لم يكن قرارا يحكى وإنما عمل حازم حاسم شمل كليات حياتها، بحيث تخلت راضية عن كل ما ألفته، فنراها تنهض لا لتشكو إلى ربها الظروف الصعبة التي أحاطت بها، ولا لترفع إليه مرارات الواقع المضني –كما تفعل كثيرات- ومبررات أجواء الملك الضاغطة، ووطأة المجتمع الفاسد، وانعدام الوعي وكل ما حوصرت به، وإنما لتحمل إليه قرارها بالتبرؤ من كل هذا، وعزمها على الفرار منه والتوجه إليه تعالى... رابعا: التسليم لله، فحين أقدمت آسيا على الجهر بإيمانها، كان تعي فداحة الموقف لأنها كانت تنتظر من فرعون الكثير، وكانت إلى هذا تنتظر لوم من حرموا وقفة الصواب ووهجها العظيم، لأنها كانت تعلم أن الأنفس الساذجة المسحوقة البعيدة عن نور الإيمان سوف تخذلها –كعادة أموات النفوس في كل عصر- ومع هذا ارتضت أن تدفع ضريبة هذا الطريق بشجاعة وطيب خاطر فسلكته بكامل اختيارها متحملة كل التبعات. -ارتضت أن تتعالى على المؤثرات والضغوط وما أكثرها. -وعلى الأواصر والصلات وما أعمقها. -وعلى المغريات من حولها وما أشدّها، وارتفعت عبر هذا لتكون في تجردها وإخلاصها مثلا للمؤمنين في كل عصر. ومضت آسيا.. لتترك في صفحات التاريخ صورا تشد القلب وتثير الفكر، صور قدمتها الرسالة الرسالة الخالدة، لتؤكد لكل جيل مدى ما تتمتع به المرأة في ظل الدين من حرية العقيدة، وبأنه ليس لأحد أن يفرض عليها التبعية العمياء مهما أوتي من قوة. ففرعون زوج آسيا مع كل ما يمثله من طغيان وجبروت، وقف عاجزا أمام شوخ الإيمان، ومن ثم انهزم وتضاءل أمام الإرادة الواعية، ولذا راح يقرض جسدها "المادي" بالمقاريض، ويدق فيه المسامير الحادة إرضاء لغضبه وإمعانا في التنكيل بها بعد أن يئس من مصادرة مشاعرها، ولكن أنّى للطغاة أن يدركوا بأن القلب الذي يشرق بنور الله لا يعترف بسيطرة ولا يحفل بطيش، ولذا، حين كان جسد آسيا يُعذّب، كان قلبها المستضيء يهتف لله بما شغله، بعد أن قرر مختارا ترك عالم الكفر والرحيل غليه. إنه الموقف الرائد الذي رسم معالم الطريق، ولكن كما نلاحظ لا يسجل إلا في ظلال إيمان كبير، ولذا شاء تعالى أن يقدمه لنساء الأمة ملتفتا إلى أن في طاقة كلّ منهن أن تصل إلى ما وصلت إليه آسيا إن هي لبت نداء الإيمان في موقفها، ونهضت لتجعل كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى. إنه موقف امرأة عاشت في عصور الفراعنة، ومع ذلك رفع ليكون منارة للعصور المتقدمة، واستحقت صاحبته أن يباهي بها الباري عزّ وجلّ، ويجعلها مثلا للمجاهدات من نساء وفتيات الأمة القائدة في الأرض. فحياة آسيا انتهت، وانصرف عنها التاريخ -كما نعلم- لكنه عاد فيما بعد ليفتح لها سجلا لا ينطوي، من أجل أن يبقى موقفها الإيماني العظيم مجلجلا في مسامع المستضعفين جيلا بعد جيل...

 المراجع: أنظر مجمع البيان/ج9-10/ص319، وتفسير الميزان/ج19ص346، وتفسير المبين/ص753

عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام : ’علامات المؤمن خمس: صلاة إحدى وخمسين وزيارة الأربعين والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والتختم باليمين وتعفير الجبين’.
حديث قدسيّ : ’لا يَسعُنِي أَرْضِي وَلا سَمَائِي وَلكِنْ يَسَعُنِي قَلْبُ عَبْديَ المُؤْمِنِ’
عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم : ’...من زار الحسين (ع) يوم عاشوراء، فكأنّما زار الله’
عن الامام الرضا(ع):فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، فإنّ البكاء عليه يحطّ الذنوب العظام’
’حسين منّي وأنا من حسين، أحبَّ الله من أحبَّ حسيناً’.الرسول الاكرم(ص)
قال الإمام الكاظم (عليه السلام): عونك للضعيف من أفضل الصدقة.

من نحن

موقع ثقافي فكري يعنى بقضايا المرأة والاسرة والمجتمع

تواصل معنا

يسرّنا تواصلكم معنا عبر الايميل alzaakiyaa@gmail.com